تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

وهنا نشأت إرهاصات فلسفة العلوم، لتبحث في المنهج العلمي التجريبي، كبحث في معامل ذلك النجاح اللافت وحيثياته ... في آلية التقدم المتوالي في هذا المشروع المعرفي المطرد النجاح: العلم الحديث. بدأت فلسفة العلوم تتشكل وتتحدد معالمها في إنجلترا وفرنسا خصوصا، مع بضعة إسهامات لاحقة من ألمانيا والنمسا، كمبحث تخصصي مستقل، وتوالت أدبياتها بوصفها نشاطا يهدف إلى تكوين معرفة بالمعرفة العلمية، أو نظرية عن النظرية العلمية من حيث آلياتها وطرائقها وأسلوبها ... من حيث منهجها العلمي.

وفي هذا الوقت نفسه - أواسط القرن التاسع عشر - تصاعد التساؤل حول أسس الرياضيات وطبيعتها وفروضها القبلية وبالتالي منهجها، وهو السؤال الذي أدى في العام 1847م إلى نشأة المنطق الرياضي أو المنطق الرمزي الحديث، على يد جورج بول

G. Boole (1815-1864م)، ليمثل قفزة عقلية نوعية، استوعبت المنطق الأرسطي التقليدي، وتجاوزته إلى منطق العلاقات والترميز الرياضي.

لقد اشتبكت الفلسفة بالمنهج العلمي، وهي تملك رصيدها الهائل وميراثها الضخم في قضية المنهج والمنهجية، وقضايا الاشتباك بين العقل والوجود، وسبل التفكير والاستدلال والانتقال من المعلوم إلى المجهول.

هكذا نشأت فلسفة العلم في القرن التاسع عشر، معنية بسؤال المنهج أو تدور حول الميثودولوجيا، وتحديدا حول قطبي المنهج العلمي التجريبي، وهما الفرض والملاحظة والعلاقة بينهما، وأيهما يؤدي إلى الآخر، وعادة ما يؤرخ لهذا بالمناظرات بين وليم ويول

W. Whewell (1794-1866م)، الذي انتصر للفرض، وجون ستيوارت مل

J. S. Mill (1806-1873م)، الذي انتصر للملاحظة.

وإبان النصف الأول من القرن العشرين تنامى سؤال المنهج، وأصبحت فلسفة العلم معالجة إبستمولوجية شاملة لمنهج العلم ومنطقه، لا سيما من خلال مبحثها الموسوم باسم الميثودولوجيا.

وسبيلنا الآن إلى المعالم الأساسية، لما أنجزته فلسفة العلوم في هذا الصدد، ليلقي الضوء الكثيف على مفهوم المنهج العلمي ومضامينه.

الفصل الرابع

| منهج العلم أم مناهج العلوم؟

(1) سؤال الميثودولوجيا

علم مناهج البحث أو الميثودولوجيا

Methodology

الذي يقبع في سويداء فلسفة العلوم، هو علم بيان طرق البحث العلمي واستقصاء أمرها، موضوعه المنهج والمناهج وآلياتها ومصادراتها ومتضمناتها. إنه منطق تطبيقي فعال، يفيد شتى العلوم المعنية بظواهر الكون الفلكية والفيزيائية والكيمائية والحيوية والاجتماعية والإنسانية، بقدر ما يفيد البنية الحضارية بشكل عام من حيث هو بلورة لأساليب التفكير المثمرة السديدة، ولوسيلة فعالة امتلكها الإنسان لمواجهة الواقع والوقائع.

الميثودولوجيا؛ أي مناهج البحث العلمي، تبلور الخلاصة المستصفاة من الملحمة الباهرة المتصاعدة، التي أحرزها العلم التجريبي الحديث، كنجاح متوال وصيرورة دائمة. تعود صياغة مصطلح «الميثودولوجيا

Methodology »، إلى شيخ الفلسفة الحديثة إيمانويل كانط

I. Kant (1724-1804م)، وكتابه العمدة «نقد العقل الخالص» (1781م)، حيث ميز كانط بين المنطق العام، الذي يبحث في المبادئ العامة وشروط المعرفة الصحيحة، وبين المنطق العملي الذي قصد به علم المناهج وهو «الميثودولوجيا» ... المناهج الممكنة التي تنظم العلوم العملية، والتي يتكون عن طريقها أي علم.

1

من هنا أصبح موضوع الميثودولوجيا هو المنهج العلمي؛ طريقة اكتساب المعرفة العلمية بالعالم الذي نحيا فيه. وقبل أن ينتصف القرن العشرون أصبح المنهج العلمي هو المبادئ، التي نجردها من الممارسات الفعلية للعلماء في محاولاتهم الناجحة، لاكتساب المعرفة العلمية والإضافة إليها، و«هذا التجريد ليس مجرد توصيف لما يفعله العلماء أو لسلوك العلماء، بل يتضمن تقويما للمغزى الذي يدل عليه هذا السلوك».

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ١٧