من هنا لا يكون سر عظمة العلم في هذه النظرية أو تلك، بقدر ما تكون في القوة المثمرة الولود لكل هذا النجاح المتدفق المتتالي؛ أي المنهج العلمي الذي هو كما قال أستاذ الجيل الدكتور زكي نجيب محمود (1905-1994م):
5
المنجم الذي نستخرج منه النفائس. فإذا كان العلم وتطبيقاته التكنولوجية بمثابة فرائد القلائد التي تزين صدر الحضارة المعاصرة، فإن المنهج العلمي هو المنجم الذي نستخرج منه الفريدة تلو الفريدة (الفريدة هي الجوهرة). لكل هذا النجاح الفريد احتل المنهج العلمي موقعه المرموق، كوسيلة وكغاية، كطريقة وكآية. •••
المنهج العلمي هو آية العلم، والعلم آيته، وقد يقال في تعريف العلم إنه: ضرب من المعرفة الموضوعية المختبرة، نصل إليها عن طريق المنهج العلمي التجريبي، وكما يقول جون كيمني: «تعريف العلم على أساس منهجه، أمر يطابق العادات المألوفة في كل حالة لا يكون فيها خلاف؛ لهذا السبب سأستعمل كلمة علم للدلالة على المعرفة، التي يصار إلى جميعها بواسطة المنهج العلمي.»
6
ولكن يسهل ملاحظة أن تعريف العلم على أساس منهجه فيه دوران؛ إذ يمكن تعريف المنهج على أساس العلم، فنقول إنه طريقة البحث والتفكير الخاصة بالعلم. والحق أن العلاقة بين العلم ومنهجه علاقة وثقى، قد لا تترك مسافة كافية بينهما، أو يسمح بتعريف أحدهما بالآخر. التقنين منطقي يمكن أن يفتح الباب للخروج من هذا الدوران. وقد مر علينا تعريف للعلم بأنه منظومة ممنهجة، والمطلوب الآن تعريف المنهج العلمي. •••
قبل أن يستقل ويتعاظم العلم الحديث، وقبل أن يتصدر حديث المنهج العلمي الساحة في عصر النهضة وما تلاه خصوصا في القرن السابع عشر، قبل هذا بزمان طويل نجد مفهوم «المنهج العلمي» ماثلا بشكل ما في رحاب الفلسفة، يتخذ عبر عصورها معاني متطورة، أو قل تعريفات متتالية، جاءت متقاربة غير متباينة، تتحدد تبعا لروح التفلسف العلمي في العصر المعني. ويمكن إجمال تطور مفهوم المنهج العلمي عبر تاريخ الفلسفة، على النحو التالي:
هو مجموعة القواعد التي توضع لتنظيم عملية اكتساب المعرفة بالعالم بصفة عامة (الفلسفة القديمة).
هو مجموعة القواعد التي توضع لتنظيم عملية اكتساب المعرفة الطبيعية التي تعرف بوصفها معرفة علمية (بدايات الفلسفة الحديثة).
هو المبادئ التي نجردها من الممارسات العملية للأفراد، الذين عملوا بنجاح في عملية اكتساب المعرفة العلمية. وهذا هو مفهوم المنهج العلمي المأخوذ به، منذ نشأة الميثودولوجيا وفلسفة العلوم في أواسط القرن التاسع عشر. على أن هذا التجريد ليس مجرد وصف لسلوك العلماء، بل يتضمن تقييما للمغزى الذي يدل عليه هذا السلوك، أو كما عبر كارل بوبر عن هذا قائلا: إن نظرية المنهج العلمي تقويم لمباراة العلوم التجريبية.
7
وإذ نستشهد كارل بوبر فقد دخلنا أنضر ساحات فلسفة العلم، الساحة المخولة قبل سواها بتعريف مفهوم المنهج العلمي ومعالجته، الموسومة باسم الميثودولوجيا. (3) المنهج العلمي في فلسفة العلوم
ننتهي الآن إلى حيث بدأنا في المقدمة، إلى أن جوهر مفهوم المنهج العلمي يتلخص في: أسلوب التفكير العلمي وطريقة سير العلماء في عملهم أو في بحوثهم، وسنرى الآن أن هذا أبعد ما يكون عن تحصيل الحاصل، كما قد يبدو للوهلة الأولى.
كما ذكرنا، جعلت الفلسفة/أم العلوم من «فلسفة العلوم» أهم فروع الفلسفة المعاصرة، والأكثر تجسيدا وتجريدا لروح العصر، الحاملة لأبرز الإشكاليات المعرفية الشاغلة في الحقبة الراهنة. وعلم مناهج البحث أو الميثودولوجيا؛ أي نظرية المنهج العلمي في صدر مباحث فلسفة العلوم، بل عمادها وعمودها الفقري.
ولا غرو أن يستقطب سؤال المنهج العلمي الفلسفة، وأن تكون الفلسفة هي الأقدر على طرحه. إن فلسفة العلوم بشكل ما امتداد لسؤال فلسفة المعرفة (الإبستمولوجيا) العريق، حول ماذا يمكن أن يعرف الإنسان، ما شروط المعرفة، وما طبيعتها ووسائلها؟ وما ممكناتها؟ وحين جاء القرن التاسع عشر كان قد استقام نسق العلم الحديث، عملاقا يتصدر بامتياز واقتدار مسيرة المعرفة الإنسانية، ويمثل حالة فريدة لنجاح المشروع المعرفي للإنسان، فأصبح سؤال الإبستمولوجيا الملح هو سؤال حول سر أو عوامل هذا النجاح. وبدت الإجابة تفرض نفسها على الفور في كلمة واحدة: المنهج العلمي، الذي هو تجريد وتجسيد لما يمكن اعتباره «العقيدة العلمية المركزية؛ أي التجريبية».