تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

واستخلاص دلالاته، من دون أن يعني هذا التقويم معيارا صوريا، يفرض على العلماء فرضا، بعبارة أخرى: النظرية الفلسفية الميثودولوجية؛ أي نظرية المنهج العلمي، لا هي وصفية خالصة ولا هي معيارية خالصة، بل مركب جدلي من الوصفية والمعيارية، لا تنقل خطوات البحث العلمي أو مراحله، بقدر ما تنقل روحه ومعالمه وخصائصه وطبائعه ومحكاته. •••

وبهذه النظرة الرحيبة المستوعبة يبرز السؤال: هل هناك منهج علمي شامل لكل فروع العلم، أم أن ثمة مناهج عديدة بتعدد فروع العلم، ونوعيات الظواهر التي يبحثها؟ بعبارة أخرى منهج العلم واحد أم كثير؟

حين أجابت فلسفة المنهج العلمي أو الميثودولوجيا عن هذا السؤال، تقدمت طبعا بإجابة فلسفية، والفلسفة تنزع للوقوف على الوحدة من وراء التنوع، واستكناه الكل في واحد، فكان المنهج العلمي الذي تنزع الفلسفة - أو الميثودولوجيا - إلى بلورته وصياغته هو منهج واحد. أجل، تختلف العلوم في موضوعاتها وطبيعة الظواهر التي تدرسها، وبالتالي تختلف أيضا في طرائقها إن قليلا وإن كثيرا؛ لأن طريقة البحث لا بد أن تتكيف مع موضوع البحث، لكنها مع هذا الاختلاف تلتقي في أسس عامة، يمكن تجريدها من المواقف العلمية المختلفة باختلاف فروع العلم العديدة، لتكون أسسا منطبقة ، لا على الفيزياء دون الاجتماع أو النفس دون الكيمياء، بل أسسا منطبقة على كل بحث يستحق أن يسمى علما. وعلم مناهج البحث هو علم طبائع وقواعد أي بحث علمي، من حيث هو علمي. من هذا المنطلق نجد المنهج العلمي واحدا، ولكنه أيضا كثير! إنه واحد على مستوى النظر الفلسفي، وكثير متعدد على مستوى التطبيقات العينية.

العالم التجريبي للبكتريا - مثلا - مختلف عن العالم التجريبي لحركة الكواكب، وغير العالم التجريبي للظاهرة الاجتماعية ... إلخ، فلا بد أن تختلف طرائق البحث وأساليبه الإجرائية وتقاناته الإمبيريقية من علم إلى علم، تبعا لاختلاف طبيعة مادة البحث في هذا العلم أو ذاك، بل إن المناهج تختلف داخل العلم الواحد تبعا لزوايا ومستويات تناوله لموضوعه، وأيضا تبعا لدرجة تقدمه؛ فإمبيريقيات أي إجراءات قياسية لمجال معين الآن، تختلف كثيرا عن تلك التي كانت في أواسط القرن العشرين للمجال نفسه، وتختلف تماما عن تلك التي كانت في القرن التاسع عشر أو الثامن عشر.

على هذه الاختلافات الإجرائية ينصب اهتمام العلماء المتخصصين، كل يسخره لخدمة موضوعه، وبما يتلاءم مع الطبيعة النوعية لمادة بحثه، بكل تميزها وخصوصيتها عن مواد العلوم الأخرى. بهذا المنظور التخصصي تظهر علوم لمناهج البحث، ملحقة بفروع العلوم المختلفة، لتعالج الأساليب التقانية والوسائل الاختصاصية، المتكيفة مع موضوع البحث، ومادته التي تختلف من علم لآخر، فنجد مثلا «مناهج البحث في علم الاجتماع» و«مناهج البحث في علم الفلك» و«مناهج البحث في الهندسة الوراثية» و«مناهج البحث في علم النفس» ... إلخ، وكل فرع قد ينقسم بدوره إلى فروع، فنجد «مناهج البحث في علم النفس الاجتماعي» و«مناهج البحث في علم نفس الشخصية» و«مناهج البحث في علم النفس الإكلينكي» ... إلخ. مناهج البحث هنا مسائل متعلقة بنوعيات الإمبيريقيات، وأساليب الممارسة الإجرائية وتفصيلياتها الدقيقة والمرسومة بعناية، وخطواتها وتوصيفاتها. وهذه مسائل تخصصية يعالجها كل علم وفقا لطبيعة مادته، والعلماء المنشغلون بها هم الأخبر، ولكنهم جميعا يستندون فيما يفعلونه على أساس كلي، يتمثل في مبادئ عمومية مشتركة، يستندون إلى ثابت بنيوي في مفهوم المنهج العلمي، من حيث هو منهج علمي. هذا الأساس الكلي المشترك أو الثابت البنيوي، هو المنهج العلمي الذي تبحثه الميثودولوجيا، وتصوغ نظرية له. وفي هذا يكون المنهج العلمي واحدا، لا تستوقفه اختلاقات الإجرائيات. (2) في الرياضيات والعلوم التجريبية

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ١٨