تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والواقع أن سبل الفلسفة خير السبل لتحديد المفاهيم والمصطلحات، هذا من حيث إن وظيفة الفلسفة أصلا هي توضيح وتقنين المفاهيم، حتى قيل إن الفلسفة ليست «حب الحكمة»

19

بقدر ما هي «صداقة المفاهيم». وهذا تعبير أثير في الفلسفة الفرنسية الراهنة على وجه الخصوص. وفي عصرنا الثائر المضطرب، الملبد بالغيوم والضباب الكثيف، لم تعد الفلسفة تستطيع مواصلة الزعم بأنها حب الحكمة، أين هي الحكمة التي يتجلى حسنها وبهاؤها وضياؤها؟ لنتبتل في محرابها ونتصبب بوجدها، ونحن نحيا في عصر التعددية والنسبوية وانهيار المطلقيات. انهار مطلق نيوتن والمطلق في المعرفة إجمالا، والمطلق في الفن وفي الأخلاق وفي السياسة ... وفي أعقاب انهيار المطلق انهارت يقينيات عديدة. إننا في عصر اللايقين واللاحتمي واللاتعين والاحتمالية والشواش ... في مثل هذه الأجواء حري بالفلسفة أن تكتفي بصداقة المفاهيم.

إن الفلسفة كمبحث نظامي ومنشط دراسي محدد وتخصص أكاديمي، إنما ينصب موضوعها ومجالها على المفاهيم تاركة الوقائع للعلوم التجريبية؛

20

فلئن كانت الفلسفة بشكل عام تعبيرا عن مجمل قصة الفكر البشري، في سعيه الدءوب المتواصل نحو المعرفة، وكانت الفلسفة هي الانعكاس المجرد الواعي لسيرورة وصيرورة الحضارة الإنسانية، فإن «المفاهيم» هي لبنات هذه القصة ومرتكزات هذا الانعكاس المجرد ووحداته الأولية.

وقد بات مفهوم المنهج على العموم، ومفهوم المنهج العلمي على أخص الخصوص، في صدارة هذه المفاهيم أو اللبنات، منذ القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، وذلك حين أنجبت أم العلوم/الفلسفة مؤخرا، أو في مرحلة حديثة نسبيا من تاريخها الطويل، واحدا من أعز بنيها، المعبر عن روح التقدم المعرفي التي نحياها الآن؛ أي «فلسفة العلوم».

والمبحث الذي يتصدر مباحث فلسفة العلوم, وهو علم مناهج البحث أو الميثودولوجيا

Methodology ، إنه المبحث الفلسفي المعني بالمنهج العلمي على وجه التحديد، ويمكن اعتباره من أهم فروع الفلسفة المعاصرة، وفي الآن نفسه يمكن أن يفيد شتى العلوم.

لقد بات السبيل ممهدا لأن ندخل في صلب الموضوع: العلم ومنهجه.

الفصل الثالث

| العلم والمنهج

(1) تعريف العلم الحديث ومعالمه

الرياضيات ملكة العلوم وهدية الله للعقل العلمي، وكان التآزر بين دقة لغة الرياضيات وصرامة وقائع التجريب، مفتاحا من مفاتيح النجاح المتوالي للعلم الحديث. على أن مفهوم «المنهج العلمي» حين يرد كمفرد علم بألف ولام العهد، يكون المقصود عادة هو المنهج التجريبي؛ منهج العلم التجريبي أو العلوم التجريبية. فهل يمكن قبلا تحديد مفهوم «العلم التجريبي» ذاته؟ ليس المنشود تعدادا وحصرا لفروعه ولشتى العلوم التجريبية، بل تحديدا للمفهوم يبلور طبيعته ويعكس ماهيته.

يمكن وضع تعريف للعلم التجريبي الحديث بأنه: منظومة ممنهجة من الأبحاث، التي تنتج وتعيد إنتاج وتطور وتعمم وتدقق وتنقح، قضايا ذات مضمون معرفي ومحتوى إخباري، ومقدرة توصيفية وقوة تفسيرية وطاقة تنبؤية، منصبة على ظواهر العالم التجريبي الواحد والوحيد الذي نحيا فيه، كمتمايز عن عالم الغيب، وأيضا عن عالم الفن وعالم الأيديولوجيا، وعالم التجارب العاطفية والشخصية ... إلخ.

1

وفقا لهذا التعريف، نجد العلم منظومة؛ أي نسق، و«النسق»

system

كل متكامل، يتميز بأن لكل جزء من أجزائه موضعه المحدد، وعلاقاته المنطقية المحددة التي تربطه بالأجزاء الأخرى. وبهذا نتفهم لماذا يمكن أن نستخدم مصطلح العلم كمفرد علم، ليدل على مجموعة هائلة من العلوم الرياضية والفيزيائية، والكيميائية والحيوية والاجتماعية والإنسانية ... تعد فروعها بالآلاف (وكذلك يقال فلسفة العلم أو فلسفة العلوم). أما أنه منظومة ممنهجة أو نسق ممنهج، فذلك يعني ببساطة أن العلم في تكونه وتناميه المطرد، يشكل كيانا مستقلا يحمل في صلب ذاته حيثياته، وإمكانيات تناميه وفاعلية عوامل تقدمه المطرد. النسقية تعني إحكام المشروع العلمي، فيرتكز في شتى ممارساته على أصوليات ومحكات وقياسات منهجية صارمة، ترتد في صورة خصائص منطقية دقيقة، تحدد لظاهرة العلم تخوما تخصصية واضحة، مما يكفل تآزر الجهود العلمية، فيجعلها تمثل متصلا صاعدا، يواصل تقدمه باستمرار. البحث العلمي يتبع طرقا وأساليب مترسمة لإنتاج معرفة لها خصائصها المنطقية. وإنتاج معرفة هو إنتاج قضايا إخبارية؛ أي وضع عبارات تعطينا خبرا عن ظواهر العالم وتوصيفا لها، ثم تفسيرا، فتمكننا من التنبؤ بالوقائع المقبلة، وبالتالي السيطرة التقانية (التكنولوجية) عليها وعلى مسارها، أو على الأقل توجيهها وفقا لما يعظم المنافع ويقلل المضار والخسائر.

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ١٢