تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن العلم لا ينتج معرفة أو قضايا فحسب، بل الأهم أنه دائما يعيد الإنتاج. معنى إعادة الإنتاج

prolification

أن كل قضية علمية أو معرفة علمية محرزة، يمكن دائما تصويبها وتعديلها، ولا إنجاز أو إنتاج معرفيا علميا يعني أن البحث في موضوعه قد انتهى، ومهما كان الإنجاز رائعا يظل الباب مفتوحا دوما لمواصلة البحث العلمي، والوصول إلى ما هو أفضل؛ أي إعادة الإنتاج، بعبارة أخرى إعادة الإنتاج هي قابلية العلم المستمرة للتقدم، لإنتاج معرفة أفضل. إنه التقدم المتقد الجبار الذي لم يعد ممكنا تفسيره، كمحض تراكم ونظرية تلو نظرية وكشف بجوار كشف، بل احتل مفهوم الثورة الميدان، وتصدر الواجهة في تفسير طبيعة التقدم العلمي، وأصبحت فلسفة العلم تدور حول التقدم والثورة منذ كارل بوبر

K. Popper (1902-1994م) وتوماس كون

T. Kuhn (1922-1996م) وخلفاء لهما.

والمعرفة العلمية في كل هذا تنصب فقط على العالم التجريبي الواحد والوحيد الذي نحيا فيه، العالم المشترك بين الذوات أجمعين؛ أي العالم المادي أو الفيزيقي، أو بالتعبير الإسلامي النافذ عالم الشهادة، كمتمايز عن عالم الغيب المطلق، الذي لا شأن للعلم التجريبي به، فلا يثبته أو ينفيه، ويؤتى من مصادر معرفية مختلفة عن المنهج العلمي. إن عالم الشهادة بظواهره ووقائعه، وأحداثه الشتى العديدة المتكثرة والمتداخلة، سواء فيزيوكيماوية أو حيوية أو إنسانية، هو فقط مجال العلم ومنهجه، وهو العالم الأولي الذي ينبغي فهمه والسيطرة عليه لكي يتيسر وجود الإنسان، فيستطيع الانطلاق إلى العوالم الأخرى أو المستويات المختلفة للتجربة الحضارية والوجودية: العاطفية والشخصية والقومية والفنية ... إلخ. الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتميز بتعدد الأبعاد والمستويات والعوالم، ربما لا يكون العالم المادي التجريبي، هو أهم العوالم، ولكنه بلا جدال مستوى أولي مهم، التمكن منه والسيطرة عليه مقدمة ضرورية شرطية، للانطلاق إلى ما هو أعلى وأبعد. والعلم التجريبي هو سبيل العقل البشري لمثل هذا التمكن والسيطرة. •••

العلم

Science

معرفة ونشاط معرفي. وعن الأصول الإتيمولوجية؛ أي اللغوية والاشتقاقية للفظة «العلم»، نجد في اللغة العربية أولا أن لفظ «علم» تعود إلى العلام والعلامة، فهي في أصلها اللغوي البعيد من الحسي: العلام أي الحناء لما يترك من أثر باللون. والعلامة ما تترك في الشيء مما يعرف به. ومن هذا العلم: لما يعرف به الشيء أو الشخص، كعلم الطريق، وعلم الجيش (الراية)، وسمي الجبل علما لذلك، ومنه: علمت الشيء أي عرفت علامته وما يميزه، ونقيضه الجهل، وتكون بعد ذلك المعاني الخاصة والاصطلاحية للعلم.

2

وهذه المعاني تفيد ضربا من المعرفة الوثيقة المثبتة، تقوم على الإدراك والتعقل وحصول صورة الشيء في الذهن، فنقول «علمت الشيء أي عرفت علامته وما يميزه»، وفي لغتنا الدارجة نقول: «ربنا يعلم»، ولا نقول أبدا «ربنا يعرف»؛ فالله هو العالم والعليم وليس العارف فحسب. وفي المقابل نقول: «عرفت الله»، ولا نقول علمت الله. هذه الحدود بين المعرفة بشكل عام والعلم بشكل خاص أمر له قيمته، لكنه لا يصنع تعريفا وتحديدا للعلم الحديث المقصود الآن على وجه التعيين.

وفي اللغة الإنجليزية أيضا كلمة

Science

تعود إلى الكلمة اللاتينية

Scientia ، وهي الأخرى تعني «المعرفة» على عمومها. ولكن اللافت حقا هو أن مصطلح العالم

Scientist ، قد صيغ فقط في عشرينيات القرن التاسع عشر، حين اقترحه الفيلسوف/العالم وليم ويول

W. Whewell (1866-1794م) على زملائه من أعضاء الجمعية الملكية للعلوم في لندن، لتعيين ذلك النشاط المعرفي الاحترافي النامي مؤخرا؛ أي البحث العلمي تحديدا؛ فقد ترسمت حدود العلم ومعالمه كنشاط تخصصي مستقل ومتميز، له آليات متعينة ووسائل نافذة تحكم عملية إنتاج منتظمة ومتواصلة للمعرفة. ومعنى هذا أنه منذ ذلك الحين قد ترسمت حدود البحث العلمي بوصفه نشاطا ذا منهج معين، وبات «العلم» مصطلحا محدثا اتفقنا على تعريفه، من حيث هو منظومة ممنهجة من القضايا الإخبارية. والجدير بالذكر أنه منذ ذلك الحين فصاعدا أيضا، بات العلم أول ما يعلم البشر معنى التخصص. •••

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ١٣