تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي رحاب الحضارة العربية الإسلامية قام المسيحيون السريان في سوريا والعراق، في أواسط القرن التاسع الميلادي/الثالث الهجري بترجمة الكتب الأربعة لأرسطو في المنطق إلى اللغة العربية، راجعها على الأصل اليوناني ونقحها وهذبها الجيل الثاني من المترجمين، وعلى رأسهم حنين بن إسحاق وولده إسحاق بن حنين، وترجموا أيضا شروحا وتعليقات. أصبح المنطق الأرسطي مطروحا بوضوح في الحضارة الإسلامية، وانفتح المجال لتوالي جهود العرب وإسهاماتهم المنطقية، دشنتها دراسات الكندي - أول الفلاسفة العرب - وتوالت إنجازات المناطقة العرب من فرق شتى، ونذكر في هذا الصدد الجهود المتحمسة لابن رشد في شرح منطق أرسطو. ومنذ البداية أرسي هذا العلم في الحضارة العربية تحت اسم «المنطق»، وهو علم الميزان إذ به توزن الحجج والبراهين، يقول التهانوي: «إنما سمي بالمنطق لأن النطق يطلق على اللفظ، وعلى إدراك الكليات وعلى النفس الناطقة، ولما كان هذا الفن يقوى بالأول ويسلك بالثاني مسلك السداد، ويحصل بسببه كمالات الثالث، اشتق له اسم منه وهو المنطق، وهو علم بقوانين تفيد معرفة طرق الانتقال من المعلومات إلى المجهولات وشرائطها، بحيث لا يعرض الغلط في الفكر.»

16

وهكذا فإنه في إطار انفتاح الثقافة العربية الإسلامية النادر على منجزات الآخر، على ميراث الحضارات والثقافات الأخرى، جاءت العناية المشهورة لأعلام التراث العربي آنذاك بنقل المنطق الأرسطي، الذي يمكن اعتباره أول محاولة متكاملة لمنهجة الاستدلال والتفكير. وأيضا انفتح أسلافنا على ما طرحه المنهج الأرسطي في أخص خصائص العرب؛ أي فن القول في مجالي الشعر والخطابة. الخلاصة ومن المنظور التاريخي الإنساني بشكل عام، أو من حيث المشترك العام، أن مثل المنطق العربي مدرسة كبرى في تاريخ المنطق،

17

وانعكست محصلة هذا الوعي المنطقي في مزيد من تقنين المنهجية في رحاب الحضارة العربية الإسلامية، وانتظمت في تراثنا مفاهيم ومصادرات وفروض أولية وقواعد وأصول استدلالية وسواها من عناصر فاعلة في منهج البحث، فاكتملت لديهم آليات للبحث وطرائق للتفكير، وكان التراث الرائع الذي خلفوه في شتى مجالات الدرس النظامي، مرة أخرى بسبب هذا الدور الكبير ل «المنهج» في حضارتهم كمفهوم وكمصطلح.

يكتسب هذا المصطلح - وأي مصطلح - موقعا متميزا ويناط به أدوار مترامية النطاق، حين يغدو مصطلحا فلسفيا. (3) المنهج كمصطلح فلسفي

كانت الفلسفة قد نشأت وتطورت في منطقة حوض البحر المتوسط وأقاليم متاخمة، على مدى ما يربو على خمسة وعشرين قرنا من الزمان، ومثلت الفلسفة الإسلامية حقبة هامة من حقبها وجانبا متينا من جوانبها. إن الفلسفة في جملتها تجريد وتجسيد لمسار الحضارة الإنسانية، وفي مراحلها المتعاقبة هي دائما الانعكاس المجرد الواعي لمرحلتها الحضارية. وقد عنيت الفلسفة أيما عناية بمصطلح المنهج، ومنهج البحث تحديدا. هذا من حيث إن الفلسفة معنية دائما بالمعرفة وطرائقها، وذلك في واحد من أهم مباحثها وهو مبحث الإبستمولوجيا (= نظرية المعرفة)، وكما هو معروف يمكن اعتبار المباحث الكبرى الثلاثة للفلسفة بجملتها، هي نظرية المعرفة ونظرية الوجود ونظرية القيمة (أو الإبستمولوجيا والأنطولوجيا والأكسيولوجيا). «المنهج» كمصطلح فلسفي على وجه الخصوص يعني: وسيلة المعرفة، طريقة الخروج بالنتائج الفعلية من الموضوع المطروح للدراسة، والطريقة المتبعة في دراسة موضوع ما للتوصل إلى قانون أو نتائج أو محصلة عامة. والمنهج في الفلسفة هو أيضا فن ترتيب الأفكار ترتيبا دقيقا، بحيث تؤدي إلى الكشف عن حقيقة مجهولة أو البرهنة على صحة حقيقة معلومة.

18

هكذا نجد التعريف الفلسفي لمصطلح المنهج، لا يخرج عن التعريف المعمول به في شتى العلوم، أوليست تنعت الفلسفة بأنها أم العلوم.

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ١١