ولا مبالغة في القول إن أهم إنجازات تراثنا تأتت في مجال المنهج والإنجازات المنهجية. وبخلاف مناهج المتكلمين الجدلية، ومناهج الفلسفة الإسلامية الأفلاطونية المحدثة من ناحية، والبرهانية من الناحية الأخرى، ومناهج المتصوفة الذوقية العرفانية، ومن قبل ومن بعد مناهج العلوم الرياضية والتجريبية عند العرب، التي كانت المقدمة الشرطية المفضية منطقيا وتاريخيا وجغرافيا إلى مرحلة العلم الحديث في أوروبا، بخلاف كل هذا الرصيد المنهجي يتقدم علم أصول الفقه بموقعه الفريد في منظومة علومنا النقلية/العقلية، لنجده في جوهره لا يعدو أن يكون علما لمناهج البحث.
كان موضوع هذا العلم رسم الطريق المؤدي إلى معرفة الأحكام الشرعية من الأدلة التي نصبها الشارع؛ أي منهج استنباط الأحكام الشرعية، فأخرج مدرسة كبرى في منهجية الاستنباط، تجعل علم أصول الفقه يتقدم كعلم منهجي بامتياز، يمثل في تراثنا جذرا للعقلية المنهجية ذاتها، وأصول روحها المنبثة في أعطاف حضارة، أنتجت تلك المناهج العلمية وممارساتها.
13
وعن طريق بحث واستخلاص الآليات والقواعد والسبل الاستدلالية التي انطوى عليها وأسس لها علم أصول الفقه، يكشف هذا العلم عن منهجيات مقننة، استنباطية وتجريبية واختبارية نقدية، تشهد بتوطن الروح المنهجية في ثقافتنا؛ هذا بخلاف المناهج الفرعية التي قام بصياغتها، أو بنقلها من العلوم الأخرى أو بتشغيلها وتطويرها، من قبيل الكلام على التواتر والآحاد، والقراءة الشاذة وحكمها، والأحوال الراجعة إلى متن الحديث أو طريقه، والجرح والتعديل، والناسخ والمنسوخ ... إنها تعطينا تمثيلات لمناهج بحث وطرق استدلالية دقيقة، وتبقى واسطة العقد المنهجي فيما أسماه الأصوليون مناهج الاستدلال على العلة، فضلا عن المنهجية الاختبارية في «السبر والتقسيم» وفي مبحث القوادح، والألية التقنينية في تقسيمات الأحكام ... إلخ. على الإجمال يكشف علم أصول الفقه كما يقول حسن حنفي عن «قدرة العقل الإسلامي على تحويل الدين إلى علم، والوحي إلى منطق، والنص إلى منهج».
14
وكان التطور اللافت في علم أصول الفقه وصورته العامة، بعد مرحلة التأسيس على يد الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت204ه/820م)، إنما في استفادته من العلم الوافد: المنطق الإغريقي الذي أسهم في أن يكتمل أصول الفقه كمنظومة ممنهجة، يعنى بالترتيب والتقديم والتأخير، وتحديد الأصول والفروع، وفي أن يبدأ بجهاز مفاهيمي يتحدد بالتعريفات الدقيقة، اللغوية والمنطقية معا. وشبيه بهذا ما حدث في علم الكلام/علم أصول الدين، أواصر القربى وثيقة بين هذين العلمين أو الأصولين اللذين تشاركا في كثير من الطرق، وقد التقيا على الطريق المنطقي المفضي إلى الفلسفة.
كان مبحث الألفاظ والتعريفات، أو المفاهيم بمصطلحاتنا، هو الذي استفاد فعلا من المنطق وتأثر به، أكثر من مبحث القياس؛ لأن القياس الأصولي يختلف عن القياس المنطقي، مهما استفاد منه وسخره، وفي هذا نستطيع القول إن الإسلاميين لم يتعلموا المنهجية من المنطق الإغريقي، بل إن منهجيتهم الخاصة بهم - والتي تتبلور في علم أصول الفقه - استفادت منه، فألقوا درسا في كيفية الاستفادة من الوافد، وتوظيفه وتشغيله في إطار حضارتهم. •••
لقد كان المنطق الأرسطي أول ما نقله العرب من علوم اليونان، وظل حاضرا في الحضارة الإسلامية في استيعابه وتطويره ونقده. يزدهر المنطق في الأوساط المعنية باللغة، وعناية الحضارة الإسلامية باللغة العربية كانت غير مسبوقة، بسبب لغوية الحدث القرآني؛ الحدث الأكبر في تاريخها. وقديما قالوا المنطق هو نحو العقل، والنحو هو منطق اللغة.
15
ويظل المنطق في مراحله وتطوراته المختلفة هو الظهير المتين، وركن ركين لمناهج البحث في تطوراتها وتحولاتها.