تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

μεθ0δ05 ، وهي كلمة يستعملها أفلاطون بمعنى البحث أو النظر، كما نجدها كذلك عند أرسطو أحيانا كثيرة بمعنى بحث، والمعنى الاشتقاقي الأصلي لها يدل على الطريق، أو المنهج المؤدي إلى الغرض المطلوب خلال المصاعب والعقبات.

9

إن المنهج هو الطريق والطريقة، الأسلوب والوتيرة، الديدن والسبيل، المسار والشرعة، الطبع والناموس ... وهو كمفهوم مقنن في الخطاب المعرفي، يراد به تجسيد أسلوب سديد منظم ومثمر، ملتزم بالانتقال من المشكلة إلى حلها ومن المقدمات إلى الغاية.

وقد بات «منهج البحث» هو الاستعمال الأكثر للفظة المنهج في سياق اللغة التداولية المعاصرة في خطابها المعرفي، حيث يفيد «عموم الطريقة، وتتولد منه الإجراءات والأدوات، وتتعلق به الغايات أو المقاصد والقيم الحاكمة».

10

وإذ يغدو المنهج هو «منهج البحث» أو مناهج البحث، فقد بتنا بإزاء مبتغانا ومقصدنا الذي هو؛ أي منهج البحث، منجم أو مناجم نستخرج منها فرائد العلم والمعرفة. دلالة لفظة «المنهج» هنا تشير إلى استراتيجيات العمل العقلي وأركانه وأداته الكبرى، القوة الحقيقية والمجد الحقيقي للإنسان، الذي جعله تاج الخليقة وبطل الرواية الكونية، فهل لحكمته - سبحانه وتعالى - أن ورد الجذر «نهج» في القرآن مرة واحدة، وورد الجذر «بحث» أيضا مرة واحدة، وكلاهما في سورة واحدة هي سورة المائدة؟! رأينا «المنهج»:

لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا (سورة المائدة، الآية: 48)، وسبيلنا الآن إلى «البحث».

في القرآن الكريم:

فبعث الله غرابا يبحث في الأرض (سورة المائدة، الآية: 31) بمعنى حفرها وطلب شيئا فيها. وفي «المعجم الوسيط»: «البحث» لغة هو الحفر والتنقيب، ويأتي بمعنى الاجتهاد وبذل الجهد في موضوع ما، وجمع المسائل التي تتصل به. وفي «المعجم الوجيز»: بحث عن الشيء؛ أي طلبه وفتش عنه أو سأل عنه واستقصى، وبحث الأمر وبحث في الأمر: اجتهد فيه ليعرف حقيقته، وباحثه: أي بحث معه فيه، وتباحثا: أي تبادلا البحث. والبحث في اللغة التداولية المعرفية هو بذل الجهد في موضوع ما وجمع مادته، وهو ثمرة هذا الجهد ونتيجته، ليشمل الاستعلام والاستقصاء، الذي يقوم به الباحث بغرض الوصول إلى نتيجة جديدة، أو تطوير وتصحيح أو تنقيح أو تحقيق نتائج كائنة بالفعل. والخلاصة في «كتاب التعريفات» للجرجاني، حيث: «البحث لغة هو التفحص والتفتيش، واصطلاحا هو إثبات النسبة الإيجابية أو السلبية بين الشيئين بطريق الاستدلال.»

11

يفيد «منهج البحث» طريق الدرس والمعرفة والتفكير، ويعني طريقا محددا منظما، وهو مفهوم محوري والمرتكز في أية دراسات مقننة، ومقدمة أولية للجهد المعرفي الرصين الجدير بالاعتبار. منهج البحث يلفت الأنظار إلى مفهوم «المنهج» من حيث هو أكثر من مجرد لفظة؛ إنه مصطلح.

ولئن كان المنهج

Method

كلفظ يعني «الطريق والطريقة»، فإن المنهج كمصطلح في أشد معانيه عمومية يعني طريقة تحقيق الهدف، والطريق المحدد لتنظيم الجهد والنشاط.

واللافت حقا هو دور كبير لعبه «المنهج»، كمفهوم وكمصطلح في تراثنا، أو بالأحرى دور لعبه تراثنا في مضمار المنهج والمنهجية، وبالوقوف على هذا نخرج بأساس لنظرة أكثر شمولا وإطلالة على التاريخ المعرفي لمفهوم المنهج، في التراث العربي، وفي التراث الغربي؛ أي لدن الأنا ولدن الآخر. (2) مفهوم المنهج في التراث الإسلامي

لم يغب عن أعلام التراث الإسلامي في عصره الذهبي، أن طريق البحث والمعرفة على رأس الطرق طرا؛ فورد مفهوم «المنهج» كمصطلح؛ أي كطريق للبحث والنظر والعمل. وجاء في «كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي ليعني: «ما يكون في حد ذاته آلة لتحصيل غيره، ولا بد أن يكون متعلقا بكيفية تحصيله، فهو متعلق بكيفية عمل.»

12

وتصدر مصطلح المنهج عناوين مصنفات عديدة رائدة في تراثنا، ونضرب مثالا بواحد من غلاة العقليين هو ابن رشد وكتابه «مناهج الأدلة في عقائد الملة»، وواحد من غلاة النقليين هو الإمام ابن تيمية، لنجد مثلا كتابه «منهج السنة النبوية في نقد كلام الشيعة القدرية» وسواهما. وليس الأمر مجرد ورود لفظة أو مصطلح؛ فقد شهدت الحضارة الإسلامية منذ بواكير نهضتها نشأة واعدة للمنهجية والفكر المنهجي والممنهج، وفي هذا أهم عوامل تفسير الدور المعرفي الناهض، الذي لعبته في مرحلتها التاريخية.

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ٩