85
وكان هذا الدافع البرجماتي وراء قول جيمس إن اللاحتمية بتعدديتها هي الوسيلة الوحيدة لتحطيم هذا الكون إلى أجزاء خيرة وأجزاء شريرة، تمهيدا لمناصرة الأولى ضد الثانية.
وأخيرا بقيت ملاحظة أن جيمس أحاط تماما بهذا التبرير البرجماتي لقضية قهر الشر؛ فلم يفته وجهها المقابل للحتمية الفيزيقية أي الوجه الثيولوجي، من المعروف أن الشر والإله ذا القدرة الشاملة ينجم عنهما معضل: فلو كان هناك مثل هذا الإله الشامل القدرة للزم أن يكون مسئولا عن كل ما يقع، والشر بعض ما يقع، فإما أن نقول إن الرب عندئذ مسئول عن الشر أو إنه عاجز عن درئه، وجيمس يفضل البديل الثاني والعجز هنا معناه أن الرب لا يحيط بكل شيء في الوجود، بل هناك إلى جانبه سائر العقول والإرادات، وهي أدنى منه وأصغر غير أنها موجودة ومسئولة عما تصنع،
86
وبهذا لا يجعل جيمس من وجود الرب دحضا للحرية، ولا دحضا لجدوى الكفاح من أجل قهر الشر.
على هذا النحو تتوطد الحرية الأنطولوجية تماما، خصوصا من حيث هي وسيلة لتحسين العالم
Meliorism ؛
87
لذلك قلنا في البداية، إن الحرية مع جيمس مكملة لهذا العالم.
وقد نرفض التبرير البرجماتي، بل والمنهج البرجماتي بأسره؛ لأنه لا يعنى بأبسط مهام منهج التفكير، أي إقناع العقل ليتصرف على أساس هذا الاقتناع، وليس العكس كما تدعي البرجماتية بدائرية غريبة،
88
ومع هذا لا نستطيع إلا التسليم بأن المنهج البرجماتي بمذهب التحسين، يبلور الحجة الأخلاقية للحرية ، أي جدوى الثواب والعقاب، والذي يقينا من مصير حيوانات السيرك الذي نئول إليه إذا ما سرنا مع سكينر وأقرانه من علماء النفس الحتميين، وهذا ما عبر عنه جيمس بقوله: «إن المسألة الوحيدة في العواقب المترتبة على قضية حرية الإرادة، إنما هي مذهب التحسين، والذي تجعله اللاحتمية ممكنا».
على أية حال، عرف جيمس كيف تؤتى الحرية في العالم اللاحتمي، وإذا حذفنا كل العناصر البرجماتية بمعنى النفعية، فلن يتأثر تناوله السليم للمشكلة، وقد راعينا أن نفعل هذا، فأتى العنصر البرجماتي في نهاية الحديث، حتى لو حذف لما تأثرت المعالجة كثيرا، ولظلت الحرية محصلة منطقية لعالم لاحتمي أنطولوجيا، وواقعة مجدية فعالة في عين هذا الوجود، لا تتناقض بأية حال من الأحوال - بل تتسق تماما - مع محاولة العقل العلمي لفهم هذا الكون واستكناه طبيعته بما فيه ومن فيه.
طالما تخلصنا من الحتمية وجدنا العلم قبل غيره يؤكد أن الإنسان حر يمارس ألوانا من الاختيار، وبين هذه الألوان من الاختيار - كما يؤكد جيمس - تتضح سمات الحقيقة الواقعية، وتستبان خصائص العلم، الاختيار يمضي من الماضي وينفذ خلال الحاضر وينطلق إلى المستقبل، وفي كل اختيار إشارة إلى إمكانيات مستقبلية، سيتقرر مصيرها أيضا باختيار جديد، وكطبيعة الحرية تلقي على كاهل الإنسان مسئولية ضخمة، فهي لا تجعله مجرد حلقة في سلسلة قد تقرر مصيرها بفعل علل خارجة عنه وخاضعة لضرورة مطلقة لا يد له فيها، إنما تتمثل المسئولية في العالم اللاحتمي، ففيه فعالية للإنسان، وفيه مقدرة على الخلق والتجديد والإبداع.
89
الإنسان حر الأفعال، يستطيع أن يقدم الجديد إلى العالم، وبهذا الجديد يتحدد المستقبل، الحرية تنقذ التاريخ من الهبوط إلى محض تكرار مستقيم،
90
الإنسان حر، وتاريخه حاصل قراراته وأفعاله الحرة. ••• (36) إدنجتون، آرثر ستانلي
Eddington S. A. (1882-1944): أعظم عالم فلك في القرن العشرين، يقف في الصف الأول من فيزيائيي نظرية النسبية، هو راهب من رهبان المعرفة، نذر حياته الهادئة من أجلها، من أجل العلم والفلسفة، فكان غزير الإنتاج في كليهما، وطبعا في العلم أكثر وأقيم، ولكن له اهتمامات فلسفية عميقة جدا، ونسق يوسم بأنه ملغز غامض يقوم على نوع من المثالية المعرفية، ويسلم بمبادئ قبلية شبيهة بالمقولات الكانطية، بعبارة أخرى، هو فيلسوف من طراز كانط كما يحلو له أن يصف نفسه.