تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

80

والتجريبية الراديكالية تشهد أيضا بأن الحقيقة لا وجود لها في العقل، وإنما هي قائمة في التجربة الحية، وفي الحاضر الماثل، وفي ذلك الميدان الذي أمارس فيه نشاطي، فأقبل وأرفض وأعارض وأوافق، وأتردد وأقرر وأغامر وأضيف جهودي إلى تاريخ العالم، وفي كل لحظة يتقرر واحد من الإمكانيات العديدة التي تعرض لي ويتم لي تحقيقه، فيتحقق شيء جديد في العالم، وهذه هي النقطة التي ينحني عندها خط الأحداث المستقبلة، ويتجه اتجاها معينا دون آخر، هذه اللحظات التي يتبدى فيها الاختيار واضحا ليست حالات استثنائية ولا نادرة تطرأ على مجرى الأشياء بل هي في صميمها تطبيق لقاعدة عامة، هي قاعدة العالم وقاعدة الحياة، ففي كل زمان ومكان ثمة اختيار،

81

وبهذا لا تجعل التجريبية الراديكالية الحرية مرهونة بلحظة شاذة غريبة، أو عالم مفارق، بل تجعلها في صميم بنية العالم من حيث هو لاحتمي، فتمهد للقضاء المبرم على الشيزوفرينيا، والذي وطد له جيمس بمعالجته لسيكولوجيا الإنسان/إنسان يملك إرادة تحدد كم الانتباه، الحرية ليست كائنة، أو بالأحرى منفية إلى نومينا أو روح مطلق أو أنا متعال، بل هي كائنة في نفس هذا العالم الذي نحيا فيه، ويمر بخبرتنا تعدديا لاحتميا، أي غير مصبوب في قالب نهائي بل يحمل مستقبله أكثر من إمكانية، وفي تعيين وتحقيق إحداها فعل حر، ذو جدة وموضع للمساءلة.

أما من الناحية البرجماتية، فثمة ارتباط بين ميتافيزيقا تعددية لهذا الكون، وبين البرجماتية التي سبقتها إلى ذهن جيمس، حتى يمكن أن يكونا وجهين لعملة واحدة، فالبرجماتية تطبيق للتعددية، ويمكن أن يكون العكس أيضا صحيحا، فالمنهج البرجماتي والمعيار البرجماتي للحقيقة يطبقان مرارا وتكرارا في البرهنة على التعددية وعلى رفض الواحدية، والتعددية أيضا تطبيق للبرجماتية، بمعنى أن التفسير البرجماتي للمعرفة يهيئ حالة خاصة للميتافيزيقا التعددية.

82

ثم إن التعددية ترتبط ارتباطا متينا بالأشياء كما هي في تنوعها واختلافها، وتلتحم بالصراع المحتوم في ميدان الحياة، كل فرد منا في هذا الخضم البرجماتي ينبغي أن يواجه العالم ويتصدى للحياة، فيؤدي دوره ويختار مصيره.

83

وإذا تساءلنا لماذا؟ أو بتعبير برجماتي أدق: ما فائدة التعدد واللاحتمية وحرية الإرادة الإنسانية؟ لكانت إجابة جيمس: لكي نقهر الشر. نزعة جيمس العملية والعلمية التجريبية والواقعية الجديدة، تفرض عليه الاعتراف بحقيقية الشر وواقعيته وبجدوى الجهود الإنسانية المبذولة لقهره أو تقليصه إلى أضيق نطاق ممكن، من أجل حياة أسعد، عارض جيمس بشدة الطلاق الأفلاطوني للخير من حيز الوجود، وأصر على أن المثل الأعلى والواقع مطردان مستمران باتصال ديناميكي، إلا أن جيمس لم يكن أقل معارضة من جورج سانتيانا لأي اختزال للمثالي إلى الواقعي، المثل الأعلى شكل مفضل للحياة شيء يتحول إلى واقع عن طريق طاقة الإرادة.

84

وها هنا نتبين جدوى الحرية، وأفضلية عالمها اللاحتمي التعددي، إنه سيظل دائما في دور التشكيل والتقويم بينما عالم الواحدية ثابت لا يتغير، يعتقد جيمس أن هذا العالم إذا خلا من الشرور واستجاب لجميع مطالبنا، لما كان لنا (أو بالأصح لما كان ثمة فائدة برجماتية) من أن نعترض على أن يكون موضوع ضرورة - مطلقة - غاية الإطلاق، ولما كان لنا الحق في الحرية، فغاية ما نصبو إليه في عالم اجتمعت له كمالات إلهية هو أن نتأمل وحدته في سموها ونعمل على صونها، كما يفعل الحتميون، ولكن الأمر يختلف في هذا العالم الذي نمارس فيه فعلا تجربة الحياة ويحاول العقل فهمه، من الأكيد أنه في حاجة إلى الإصلاح والتعديل، وهذه حاجة تنفيها الحتمية، أما جيمس فيعلن بلا حتميته أن العالم يمكن أن يكون أفضل، وهذا الإمكان ليس تصوريا فحسب، بل هو واقعي وعملي، ويتضمن واقعتين؛ أولا: نحن متأهبون، بما اجتمع لنا من مثل عليا وما تحمله الحرية من مسئولية بإزائها، للنضال من أجل تحقيقها، ويقتضي منا هذا أن نتدخل تدخلا فعالا في مصير العالم، وثانيا: هذا العالم ليس كتلة صارمة وإنما هو جماع من عناصر مستقلة، بحيث يمنعنا من أن نعزل جانبا ما يتراءى لنا شرا.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٨٥