يدفعنا إليه ويدفعه إلينا، إنه آمن باللاحتمية العلمية المعاصرة وبانفراج معضل الحرية على أساسها، كما لم يؤمن بأية قضية فلسفية أخرى، وكان أسعد حظا من وليام جيمس فقد عاش في الزمن الذي شهد اللاحتمية العلمية، بفضل يعود إلى جيله، أي جيل إدنجتون من العلماء، فتمكن من الانتقال إلى قضية الحرية الأنطولوجية انتقالا أسلس فلسفيا.
البعض يرى إدنجتون واقعا في براثن المثالية المتطرفة، خصوصا لتدخل عناصر صوفية حدسية في فلسفية.
ولما كنا تعاقدنا في المدخل على تنزيه معالجة القضية من مثل هذه العناصر التي تثير جلبة الرافضين، فلا بد وأن توضح بادئ ذي بدء أن معالجة إدنجتون لقضية اللاحتمية العلمية والحرية الإنسانية بمنأى عن هذه العناصر، وخصوصا معالجته لقضية اللاحتمية، إنه عالم فيزيائي أولا وقبل كل شيء فلا ينبغي أن نخشى كثيرا من مثاليته الفلسفية، وإن لم نلق الموضوعية مع علماء الفيزياء، فأين نجدها؟! ولكنها ليست الموضوعية المطلقة المستحيلة التي تراءت لأوهام الحتميين، والتي انتهينا منها يوم أن انتهينا من المطلق، بل الموضوعية المعاصرة علميا وفلسفيا والتي قد يطلق عليها مصطلح
Inter-subjectivity
البين ذاتية أو التشارك بين الذوات، لا ينبغي أن نخشى مما يوصم به إدنجتون من ذاتية متطرفة، وأوضح الأدلة على تبرئته من هذا إلى حد كبير، واقعة معروفة مؤداها أن مبدأ هيزنبرج كان مطروحا في البداية تحت اسم مبدأ اللايقين
Principle of Uncertainty
بما يحمله هذا الاسم من دلالة إبستمولوجية محضة، بل ذاتية من حيث تجعله واقعا تحت طائلة تفسير الحتميين الذاتي لكل لاحتمية، وكان إدنجتون هو المسئول عن التسمية الشائعة له الآن، أي اللاتعين
Indeterminacy ،
91
بما تحمله من دلالة موضوعية، تجعله إبستمولوجيا وأنطولوجيا في آن واحد.
وبالنظر إلى حركة العلم المعاصر إبان انقلابه على الحتميين خصوصا في عشرينيات القرن العشرين، يتضح أن إدنجتون على رأس من تحمسوا لكشف العلم المعاصر عن الطبيعة اللاحتمية للكون، ورحبوا بانهيار الحتمية، لقد بدت اللاحتمية أمامه بوضوح رؤية صاف، قل أن تمتع به علماء آخرون من جيله، سخر علمه الغزير من أجل قضية اللاحتمية، وسخر اهتماماته الجادة ليوضح أن: «أن هذه التطورات الأخيرة حملت معها انسحاب العلم تماما من موقف العداء الصريح للإرادة الحرة، حتى إن هؤلاء الذين يتمسكون بالنظرة الحتمية للنشاط الذهني يجب أن يتمسكوا بها على أساس دراستهم للعقل ذاته أو كنتيجة لهذا، وليس لأنهم بهذه الحتمية يجعلون العقل متوافقا مع معرفتنا التجريبية بقوانين الطبيعة اللاعضوية».
92
على أن هذا الحتمي لا بد وأن يكون واقفا بمعزل عن التطورات الفيزيائية، فكما يقول إدنجتون: «لقد انزاحت الحتمية من موقعها الفيزيائي الذي بدا لا يتقهقر، ونحن طبعا نتشكك كثيرا في دعاويها لكي تضمن موقعا في مجالات الخبرة الأخرى».
93
لم تعد الفيزياء كما كانت، ملاذا أرحب للحتميين بما تسبغه على الكون من حتمية كاملة، لن ينفصم عنها العقل والفعل الإنساني، وهو جزء من كل، وطبعا، إذا كان للعقل أن يتحرر من الحتمية، فلا بد وأن يتحرر منها العالم الفيزيقي أولا، وكما يؤكد إدنجتون: «الآن لم يعد ثمة عائق أمام هذا التحرير فبعد أن وقفنا على الطبيعة اللاحتمية للكون يمكن أن نقتنع تماما بأن الإرادة الحرة أصيلة وحقيقية.»
94
النظرة العلمية الشاملة الموحدة، المنشودة من الجميع، سواء حتميين أو لاحتميين، جعلت الحتميين يرون أن الأفعال التي تبدو محكومة بالإرادة الحرة هي في الحقيقة أفعال انعكاسية محكومة بالعمليات المادية في المخ، وأن أفعال الإرادة محض ظواهر فرعية متآنية مع الظواهر الفيزيقية، لكن أوليس أساس هذا الافتراض أن نتائج تطبيق القوانين الفيزيائية على الذهن حتمية تماما، وبعد أن انهارت حتمية القوانين الفيزيائية، تنهار الدعوى بأن سلوك الدماغ بجملته ميكانيكي حتمي تماما، ويغدو لغوا بغير معنى القول بأن سلوك الذهن الذي هو الدماغ الواعي هو على وجه الدقة نفس سلوك الدماغ الميكانيكي،