تخلق مشكلة الشر، فالشر في نظر التعددية يمثل فقط مشكلة عملية يمكن التخلص منها، أما مع الواحدية فقد دخل في ذات الهوية مع الكون. (ج)
تناقض طابع الحقيقة الواقعية، كما تدرك في التجربة، فالتغيير والابتكار في عالمنا وفي التاريخ عنصران جوهريان. (د)
إنها قدرية، فالإمكانية المتميزة عن الضرورة من جهة وعن الاستحالة من جهة أخرى تبدو معها مجرد وهم.
73
ويمكن ملاحظة أن المأخذ الاول إبستمولوجي، والثاني أخلاقي برجماتي، والثالث أنطولوجي أما الرابع فيضم الوجوه الثلاثة معا، وهذه الوجوه بدورها تضم وجوه الحتمية النافية للحرية.
وعلى أساس نفي الواحدية، يأخذ جيمس بتعددية مفضية إلى لاحتمية حقيقية: لا حتمية أنطولوجية فأخرج كتابه «عالم متكثر
Pluralistic world » حيث نجد العالم كله يتألف من عدد لا حصر له من الموجودات الفردية وكل من هذه الموجودات له وجوده الواقعي المستقل، ولكن كلا منها أيضا له صلاته بغيره، ومن هنا تستقيم شبكة من الأفراد، ثناياها العلاقات والارتباطات؛ على هذا، فوحدة العالم ليست أمرا مكتملا منذ البداية وإنما هي عملية متصلة تنحو نحو التوحيد، وتنمو شيئا فشيئا،
74
إن العالم التعددي عالم مرن لدن لأنه لاحتمي، عالم بأبواب ونوافذ مفتوحة، وبإمكانية لا تقبل الضبط من قبل، بل يأتي بابتكار جديد، بفعل حر، والإرادة الحرة لا تعني إلا الابتكار الحقيقي، على ذلك فالتعددية تتقبل فكرة الإرادة الحرة»،
75
وكما يقول جيمس: «كوننا أنفسنا قد تكون أصحاب ابتكار عبقري جديد ومبتكر، فهذه هي قضية مذهب حرية الإرادة».
76
ليست التعددية إلا تمثيلا عينيا للعالم اللاحتمي، وكلتاهما - التعددية واللاحتمية - أسس أنطولوجية لا تعني على المستوى الإنساني إلا الحرية، إمكانية الاختيار بين بدائل؛ لذلك ستضع الحرية مع اللاحتمية مع التعددية في بوتقة واحدة، لنجدها عند جيمس ترتكز على أساسين:
أولا:
التجريبية الراديكالية، وانعدام تعاطفه مع المثالية.
ثانيا:
مذهبه البرجماتي.
فالتجريبية الراديكالية: ترى أن الحقيقة لا يمكن أن تكون محددة على ذلك الوضع الحتمي في سياج تصوري، وهي تنبذ ادعاء نظرة شاملة،
77
إنها تنتقل من الأجزاء على أنها أساسية في نظام الوجود وفي نظام المعرفة (أي أنطولوجيا وإبستمولوجيا بمصطلحاتنا)، والأجزاء في التجربة الإنسانية هي المدركات الحسية، تتحول إلى كليات بإضافاتنا التصورية، والمدركات الفردية تتغير دون انقطاع، ولا تعود أبدا إلى ما كانت عليه تماما، وهذا يحمل إلى تجربتنا عنصرا من الابتكار الملموس، والطبيعة كلها معطاة في تيار الإدراك الحسي، بيد أن هذا التيار وإن كان مستمرا من تال إلى تال فإن أجزاءه غير المتجاورة تفصلها أجزاء تتداخل بينها، ومثل هذا الانفصال يبدو في حالات متنوعة عاملا على التفرقة الإيجابية،
78
هذا الاستقلال النسبي للأحداث لا تتيحه إلا اللاحتمية فقط أما الحتمية الواحدية فلا تجيز - كما يؤكد جيمس - أن يكون هناك موجودات فردية منعزلة ما دام وجود كل موجود مرهونا بما بينه وبين الموجودات الأخرى من علاقات، وبدون ذلك لا يستقيم له كيان.
وهنا نتبين هول الفارق بين التصورين: في عالم الواحدية يسبق الكل الأجزاء ويتسلط عليها ويتحكم فيها؛ ليحفظ لها جميعا نظاما مكتملا محددا منضبطا، فهنا عالم ترتبط أجزاؤه ارتباطا وثيقا، ولكل جزء عمله المحدد، ومهمته المرسومة، فلا مجال إذن للحرية أو الاختيار بين بدائل، أما في عالم التعدد، فعلى العكس من هذا الأجزاء تسبق الكل، والكل في نمو متصل واكتمال مطرد ولم يتم بعد، نموه مرهون بانضياف أجزاء إليه،
79
وفي هذا الانضياف تتجلى الحرية الإنسانية.
إن التجريبية الراديكالية مثلما أقامت التعددية، تقيم أيضا بقية قرائنها من لاحتمية وحرية بما تتضمنه من مسئولية وجدة وابتكار، فيؤكد جيمس أن التجربة تظهر لنا أن الدور المنوط بالإنسان في الحياة لا يمكن أن يكون دور مشاهد سلبي لا يملك أن يفعل شيئا، وإنما دوره الأول أن يثبت وجوده ويعزز كيانه في عالم معقد متشابك تصطرع فيه قوى متعددة متباينة، وعلى الإنسان أن يجاهد ليفرض مثله العليا على هذا العالم، وفي وسعه أن يختار فيؤثر الخير وينبذ الشر،