26
على الإجمال عرف لوكريتوس كيف يأتينا بلاحتمية فيزيائية، إبستمولوجية وأنطولوجية ينحل معها مأزق الحرية، بيد أن كل ما قاله لوكريتوس أولا وأخيرا لا يعدو أن يكون الفلسفة الأبيقورية وإن كانت متبلورة ومدعمة.
مرة أخرى أوليس لنا الحق في أن نعد أبيقور الرائد؟! ••• (31) أحسب أن لنا هذا الحق على الرغم من النقد الوبيل الذي انهال من الأقدمين والمحدثين على أبيقور وعلى مبدأ الانحراف الذري.
فهذا جون بيرنت يندد بالأبيقوريين بسبب ضحالتهم الفلسفية وافتقارهم للأصالة والسمة العلمية؛ مما جعلهم لم يتمكنوا من استغلال الأيونية استغلالا سليما، وأنهم لم يعنوا بدراسة الرجل الذي يدينون له بالكثير - أي ديمقريطس - لأنهم كانوا نافرين من الدراسة الجادة من أي نوع، وربما لم يعتنوا حتى بنسخ كتاباته؛ لأنها أعظم بينة على الافتقار للأصالة الذي يميز مذهبهم.
27
ونعترض على هذا؛ أولا: لأنه الافتقار إلى الأصالة وإلى السمة العلمية الحقيقية شامل لكل هذا العصر الهلينستي الذي اختفت من فلسفته الروح العلمية الخالصة والرغبة في طلب الحقيقة لذاتها، فكيف نطالب أبيقور بالذات بالشذوذ عن روح العصر الذي أنجبه؟ - ولنتذكر دعاء د. أميرة مطر العذب: «رباه اكتبني من العادلين.» - وماركس نفسه قد أخطأ حين قال دفاعا عن أبيقور إنه حاول تنوير أذهان معاصريه؛ وذلك لأن المسائل الذهنية برمتها لم تكن مطروحة في هذا العصر ولم تكن الفلسفة هادفة للوعي والتنوير، بل لمعاونة الإنسان على تحقيق السعادة السلبية، وهذا ما هدف إليه أبيقور، وكرس له جهوده، وقد استطاعه عن طريق معالجته الشاملة، لما أسماه بحالة الأتراكسيا
Atraxia .
لا شك أن ديموقريطس ذو أصالة فكرية ونزعة علمية أرجح من أبيقور، ولا شك أيضا أن أبيقور من نواح عديدة كان مجبرا على تبسيط الصعوبات، ولكن هذا الحكم لا ينبغي تعميمه وإطلاقه فثمة تحفظات معينة؛ أهمها شيزوفرينية ديموقريطس في مقابل نجاح أبيقور في تحقيق أبسط بسائط التفلسف - بغض النظر عن ظروف أي عصر - أي تكامل واتساق المذهب وبواسطة فرض الانحراف الذي الذي ابتدعه ابتداعا.
ولئن انهال القدامى بالنقد على هذا الفرض فلنتذكر ما أثبته المدخل من صعوبة استقبال وقبول القدامى لمبدأ اللاحتمية، فقد أسماه شيشرون «الاختراع الصبياني السخيف»، ورأوا فيه تخليا من أبيقور عن موقعه الذري، تخليا غير محترم لأن هذه الحركة الطليقة للذرات تعارض قوانين الطبيعة التي يقوم عليها مذهبه، وهي خرق واضح لمبدئه الأول: لا شيء يخلق من لا شيء، ولقوانين العلة والمعلول؛ إذ إنه يقر بقوة أننا لا نستطيع أن نضع للانحراف الذري علة.
وهذا يعني أن ذلك الانحراف مقحم على بنائه الفيزيائي بغير علة على وجه الإطلاق،
28
أما إذا قلنا إن الذرات من طبيعتها أن تنحرف، فكأننا وضعنا الطبيعة بدلا من إله الآلة
Deux de Machina
29
الذي يأتي فجأة ليفعل ما لا يستطيع سواه أن يفعله،
30
فيحل المشكلة في التراجيديا الإغريقية، ومعنى هذا أن أبيقور حاول أن يتخلص من الحتمية العلمية فأتانا بجبرية دينية!
فهل هذا صحيح؟ وهل حقا أن انحراف الذرات وافتراض اللاحتمية مبدأ أقحمه أبيقور إقحاما؟ إن الإجابة عن هذا بالنفي، فلو عاودنا مراجعة الصفحات السابقة لوجدنا الانحراف الذري في صلب نظرية أبيقور الفيزيقية، وفي الآن نفسه صلب حله لمعضل الحرية، بحيث إنهما يدوران معا وجودا وعدما، فكيف يكون مقحما؟ وكما يقول سيريل بيلي: «أبدا لم يعتبر أبيقور مبدأ الانحراف الذري نقطة ضعف، بل اعتبره ذا أهمية أساسية في مذهبه، وليس في الأمر أي جبرية أو ما يشبه إله الآلة؛ إذ يقول الفيلسوف الفرنسي جان ماري جويو
Jeau Marit Guyau (1854-1888) إن ذلك الانحراف الذري في الطبيعة اللاعضوية - والذي هو المصادفة والعرضية - يهتك الضرورة الحتمية الصارمة في العالم الحي واللاحي على السواء، وبغير أن يعاود تقديم عنصر المعجزة الذي كان هم أبيقور الأول إبعاده؛ لأن المعجزة تتضمن فعل قوى خارجية تعوق القوانين الطبيعية وتغيرها.