31
فضلا عن هذا يجب أن ننتبه إلى طبيعة العلة وطبيعة المصادفة عند أبيقور، فصحيح أنه مثل ديمقريطس يجعل مبدأ العلية والدوام
Permanence
نقطة البداية، فلا شيء يخلق من العدم أو من اللاشيء، ولكنه خلافا لديمقريطس - ولننتبه إلى هذا - لا يجعل افتراض العلية في سلطة المركز الذي يدعم بقية الفروض، بل يدعمه بحجة، ها هنا نعالج المدرك والقابل للإدراك على حد سواء، فالمشكلة كلية ولا يمكن أن تعالج مباشرة بالحواس ولكن علينا أن نسأل ما إذا كانت الحواس تعطينا أية شارة لتدعيم مبدأ العلية أم أنها تناقضه. ويجد أبيقور هذه الإشارة في النشأة المنظمة للأشياء في العالم المدرك، فلا شيء يخلق من العدم؛ لأنه إذا أمكن هذا لأمكن أن يخلق كل شيء بغير احتياج للبذور،
32
أي للذرات، ومن شأن هذا أن يهدم مادية أبيقور الصارمة، على هذا نلاحظ أن العلية تزحزحت كثيرا عن هيلمانها الديموقراطي.
أما عن المصادفة، فقد اعتبرها أبيقور مجرد علة غير معينة تحكم فقط أشياء معينة في العالم، وهي أشياء مشتتة ومتباعدة عن بعضها،
33
وهي بهذا تختلف عن تلقائية حركة الدوامة عند ديمقريطس من حيث إنها أصل كل شيء، فلا تكون المصادفة مقحمة لحل مشكلة الحرية، بل هي مصادرة أساسية لفلسفة آلت على نفسها أن تمزق جدران الحتمية.
يقول جان فال إن الكثيرين قد دأبوا على الإطاحة بنظرية أبيقور في الحرية، على أساس أن المصادفة حين يتم تحليلها أو يتحقق العلم الشامل بظروفها سوف تختفي، ثم إنها ترجع في النهاية كما أثبت أرسطو إلى عمل علل آلية، وكل ما في الأمر أنها علل مجهولة،
34
وهذا الأساس المزعوم لا يعدو أن يكون حيلة الحتميين البائدة في مواجهة كل مصادفة واحتمال ولاحتمية بالتفسير الذاتي، أي بالإرجاع إلى جهل الذات عن إدراك العلل المحتمة.
وبهذا تتبلور حقيقة كل النقد السالف لأبيقور: إنه يدور في متاهات الحتمية، وعجز عن الخروج من بين قضبانها، التي ترين على صدورهم وعقولهم، بينما استطاع أبيقور أن يقوضها منذ أكثر من ألفين من السنين؛ ولهذا فقط - أي لأنه فيلسوف اللاحتمية - استضفناه على الرحب والسعة، ومن غير المعقول أن نستمر في الدوران حول الحتمية بعد كل ما بذلناه في الفصول السابقة.
بالتحرر التام من وثن الحتمية ننتهي إلى أن مبدأ الانحراف الذري، صورة الأبيقورية، غير مقحم على فلسفته بل متسق معها واتسقت هي معه، فهو مصادرة أساسية لها إما عن المبدأ في حد ذاته من حيث كونه بلا بينة أو برهان مقنع، ففي الرد على هذا نسأل: لماذا ندعي أن الذرات تتحرك أصلا وأن من طبيعتها تلك الدوامة التي قال بها ديمقريطس؟ وليس ثمة ضرورة في تكون حركة الذرات مستقيمة ولا حتى ثمة براهين على هذه الاستقامة والتي لم يعترض عليها أحد في حد ذاتها، فلماذا يعترضون على الانحراف الذري؟ ولماذا لا يكون كالحركة نفسها، أي مبررة بغير علة؟ وما الفارق بينه بين قول الرواقيين مثلا إن كل الأشياء تتجه نحو المركز؟ وبالمناسبة، لوكريتوس ما فاته الدحض التام لأمثال هذه المبادئ المناقضة لفيزيائهم،
35
إن الانحراف الذري فرض ناجح متسق لا يستحق كل هذا الهجوم، ما لم يكن الهجوم نابعا من أن المبدأ يخل بالحتمية المقدسة، أي ينادي بلاحتمية!
وأخيرا، إذا كان شيشرون يراه اختراعا صبيانيا، فإن علماء وفلاسفة علم معاصرين لهم رأي مناقض؛ فقد لاحظوا أنه قبل روبرت براون بتسعة عشر قرنا كانت صورة الحركة الجزيئية التي اكتشفها «الحركة البراونية» قد رسمها من قبل خيال لوكريتوس، في قصيدته الخالدة بالتفصيل،
36
وهم يبدون دهشتهم من مدى حصافة فرض الانحراف الذري، وكان إدنجتون قد أوضح أن الكون، لا يكون في حالة توازن ثابت من حيث إن أبسط اضطراب يحدث فيه يؤدي إلى بدء حركة تتمدد وتفضي إلى التطور الذي يدوم اثني عشر ألف مليون من السنين، كما تقول قوانين الفيزياء الفلكية. وبعد فترة التطور يصل الكون مرة أخرى إلى حالة التوازن، ولكنه يكون ميتا؛ نظرا إلى التدهور الميكانيكي الحراري، وهذا معناه أن التوازن ثابت وأن الاضطرابات البسيطة لا تؤدي إلى تغيير هام في الكوزموس اللاحتمي، وكما يقول رايشنباخ: «الواقع أن هذه الصورة مشابهة إلى حد يدعو إلى الدهشة لنظرية ديمقريطس