تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22

على هذا فالحركة الطليقة للذرات والتي لم تتراء لديموقريطس، يحدث فيها انحراف أو ميل، فطالما أنها تسقط إلى الخلاء في أوقات لامحتمة

Undetermined

فإنها تندفع قليلا عن مسارها، مما يجعلها تغير اتجاهها، وهذا الميل أو التغيير في الاتجاه يسبب تصادما مع ذرات أخرى، فيتغير اتجاهها لهذا التصادم، والمحصلة الفورية هي اضطراب حركة الذرات في كل مكان، فينشأ عن هذا اتحادها في مركبات وتكوين العالم الفيزيقي المحسوس.

هكذا حل المبدأ المشكلة الفيزيائية، ولكن كيف حل مشكلة أو معضل الحرية؟ لقد حلها كالآتي: العقل مرتكز في الصدر على شكل مجموع الذرات اللطيفة

Fine atoms

التي تكونه، ومثلها تلك التي تنتشر خلال الجسم مكونة المبدأ الحيوي (نلاحظ الجمع بين مبدأي الروح الإغريقية).

23

ومجموع الذرات اللطيفة (الذهن) يوجهه الخيال إلى الحركة، سواء أتى هذا التخيل من أشياء خارجية أو أثاره توقع في الذهن ذاته، ولنفترض أنني في هذه اللحظة قد أتت أمام ذهني صورة لنفسي سائرا، فطالما أن ذرات الذهن نفسها قد أثيرت فسوف يتحرك المبدأ الحيوي وستتحرك ذرات الجسد بدورها؛ وبالتالي أسير، ولكن قبل أن يحدث كل هذا ثمة عملية أخرى لا بد وأن تحتل مكانها، إنها عملية الاختيار الإرادي الحر، فصورة السير في حد ذاتها لا تحرك الذرات حتى أسير، فقد أقبلها وقد أرفضها فأقرر أن أسير أو لا أسير، فكيف نفسر عملية الاختيار الحر هذه بخطوط مادية بحتة؟ يجيب أبيقور عن طريق انحراف الذرات اللطيفة التي تكون الذهن، والحركة العرضية اللاحتمية للذرات المفردة في الخلاء هي التركيب الواعي للذهن، والذي يترجم إلى فعل إرادي مقصود.

24

ولنلاحظ أن الانحراف الذري حركة تلقائية محض ميكانيكية، يمكن أن تقوم به أية ذرة في أي مكان، وفي أية لحظة؛ لذلك ففي مجموع

Aggregate

ذرات الروح يحدث الانحراف الذري كنتيجة للإرادة الواعية، ولكن لم يفترض أبيقور أي وعي أو إرادة حرة في انحراف الذرة المنفردة، ولو كان قد فعل لكان قد نقض الأسس المادية لمذهبه نقضا بينا؛ لأنه كان سيقحم عنصرا فائقا للطبيعة في حركة أبسط أشكال المادة، ولكنه لم يفترض حتى أي إحساس في الذرة، وانحراف الذرات المنفردة ليس واعيا على الإطلاق، إنه على وجه الدقة حرية ميكانيكية تناظر الحرية النفسية للإرادة.

25

ولسنا الآن بإزاء أية قوى خارجية، بل فقط صميم الصورة الأنطولوجية التي رسمتها الفيزياء الأبيقورية للعالم، والتي حافظت على أبعاد فلسفته المادية، وحققت هدفها في نفي كل ما يثير المتاعب، ثم استطاعت إفساح المجال لحرية الإنسان، لقد حل أبيقور المشكلة الفيزيقية ومعضل الحرية بتحطيم الحتمية عن طريق افتراض اللاتعين والمصادفة في الانحراف غير المتوقع، أي عن طريق اللاحتمية، أفليس لنا الحق في أن نعده الرائد؟! ••• (30) وبعد أبيقور نجد تابعه الوفي الشاعر الروماني تيتوس لوكريتوس كاروس (99-55ق.م.) الذي وجد في فلسفة أبيقور اقتناعه العقلي التام، وطمأنينة نفسه المضناة بنوبات الجنون، فتعهد بعرضها عرضا خلابا، ودافع عنها بحماس وكال لها وعلى خصومها الحجج والأسانيد، وذلك في قصيدة خالدة من الشعر اللاتيني العذب بعنوان «في طبائع الكون» أو في طبائع الأشياء (وثمة ترجمة إنجليزية جيدة لها واردة في الهامش)، تعد المرجع الأول للمدرسة الأبيقورية، وفي الآن نفسه تعطينا أكمل صورة يمكن أن يعطيها الفكر القديم بظروفه المعرفية الضحلة لمبدأ اللاحتمية ولكيفية حله لمعضلة الحرية.

كانت الحتمية عند لوكريتوس أعمق من فرض الانحراف الذري؛ فقد رسم صورة أبيقورية للوجود تجعله تعدديا والعرضية صفة قائمة في صلبه وأحداثه، ومن ثم فكل الأحداث في هذا الكون عرضية ولا ضرورة إلا للجسم والمكان، أو للذرة والخلاء، وهذه العرضية تستبعد الآلهة والشياطين والغائية عن العملية الطبيعية الحرة، فتؤكد طبيعة الوجود؛ لأنها لاحتمية، الحرية الكائنة في الصدور، يقول لوكريتوس: «لو كانت كل حركة دائما مرتبطة ارتباطا داخليا بغيرها، وكانت الحركة الجديدة تنشأ عن الحركة القديمة في نظام محتم، وكانت الذرات لا تنحرف أبدا لتنشأ عنها حركة جديدة تنفصم معها قيود القدر والسلسلة الأبدية للعلة والمعلول، فما هو إذن مصدر حرية الإرادة التي تملكها الأحياء على هذه الأرض؟ وإني لأعيد القول: ما هو مصدر قوة الإرادة المنتزعة من الأقدار والتي تجعلنا نخرج عن سبيل مقرر أو نتبع سبيلا في مكان وزمان لامحتمين؟ لا ريب أنه في مثل هذه الأحداث تصدر حركات الأطراف عن إرادة الفرد.»

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٧٥