Expire
تعني يزفر الهواء، وتعني أيضا يسلم الروح، ولما كان هذا النفس هواء وكان الهواء مكونا من ذرات فإن النفس مكونة من ذرات.
17
على أن الفكرة الإغريقية عن الروح كانت واسعة وشاملة إنها تتضمن من ناحية عنصرا لاعقلانيا هو روح المبدأ الحيوي الذي يهب الجسم الحياة وهو مكمن الانفعالات السلبية واللاعقلية التي تصنف معا تحت اسم الإحساسات، ومن الناحية الأخرى تتضمن الروح مبدأ عقلانيا هو الذهن مكمن الحركات الفعالة للتفكير والإرادة، معظم الفلاسفة قد فرقوا بين هذين الجزأين أو الجانبين، على الأقل من الناحية النظرية، وأبيقور بدوره قد فعل هذا بتوضيحه أن الروح منفعلة وفعالة بقدرتين تملكهما، هما التفكير والإرادة، وبالنسبة للتفكير قد أثبت أبيقور أنه حركة في الذهن تخلق صورا جديدة بواسطة الربط والمقارنة بين الصور السابقة الموجودة ومادة الموضوع
Subject Matter - أي موضوع التفكير، وهي مختلفة عن مادة موضوع الظن
Opinion
لأن الظن لا يعنى بتفسير معطيات الحس، بل عليه أن يخلق معطياته الخاصة.
والعقل الفعال له وظائف أخرى غير التفكير، فهو موضوع لعواطف الفرح والخوف والحب والكراهية، وكلها تنشأ عن العقل الكائن في الصدر، وتتميز هذه العواطف المركبة عن العواطف السلبية المنفعلة - وهي اللذة والألم - بأن هذه الأخيرة موضوع للحس الفوري والموضعي.
18
ولكن الأبيقورية تمسكت بما لم يره ديموقريطس رائد الذرية الإغريقية، تمسكت بأن الذرات تسقط بحركة أبدية عبر المكان اللامتناهي، هذا في حين أن ديمقريطس نفى الثقل عن الذرات، ولم يعين الذريون القدامى اتجاها لحركتها، فلم يروا في الوزن خاصية أساسية لها، الخاصية الأساسية هي فقط الحركة الأبدية، أما الوزن والحجم والشكل فمجرد خصائص ثانوية، على أن الأبيقورية قد استنتجت أن الذرات ذات ثقل، وحركتها في خطوط مستقيمة متوازية من أعلى إلى أسفل «فنشأت معها مشكلة لم تنشأ في الذرية القديمة، وهي كيفية تفسير تلاقي الذرات لتتكون الأشياء».
19
هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى نجد أن المادية الأيونية والقبل سقراطية على العموم، والذرية الديموقريطية على أخص الخصوص قد أفضت إلى حتمية كونية لا سبيل إلى الخروج منها، وفي هذا يقول أبيقور: «أن نتبع أساطير الآلهة، أفضل من أن نصبح عبيدا لقدر الفلاسفة الطبيعيين.»
20
لقد شعر بخطورة الحتمية الكونية على الحرية الإنسانية، والتي لم يشعر بها ديموقريطس؛ حيث إنه - كما يقول سبريل بيلي - لا يترك في مجال الأخلاق آثارا تدل على أنه قد أدرك متضمنات نظريته الفيزيائية التي تأخذ بصرامة العلية والضرورة، من حيث إنها تؤدي على التو إلى الصراع بين الحتمية وبين الإرادة.
21
راح ديموقريطس بكل حتميته الصارمة ينادي في فلسفته الأخلاقية بحرية الإرادة والفعل ومسئولية الفاعل، فكأنه بهذه الشيزوفرينيا يكمل تمثيله لأصول الفكر العلمي الحتمي بجملة مزاياه ومآسيه.
هذا بينما حقق أبيقور - أو حرص على أن يحقق - التكامل والاتساق المفروض بين أرجاء النظرة الفلسفية، حين أراد أن يصون الحرية في عالم يبدو كنتيجة محتومة لقوانين العلة والمعلول، فجعل نظريته الفيزيائية ونظريته الأخلاقية واحدة واحدة تفسر كل منهما الأخرى، وذلك بأن أرسى في أسس العالم الفيزيقي عنصر التلقائية والمصادفة، الذي يجب أن نعتبره استثناء، بل رفضا للعلية الصارمة ولحتمية القوانين الطبيعية. ••• (29) «وكان سبيله إلى هذا مبدأ الانحراف الذري»: انحراف الذرات وميلها عن مساراتها، إنه مبدأ يفسح المجال للحرية الإنسانية، وهو أصلا يحل المشكلة الفيزيقية البحتة، مشكلة التقاء الذرات.
أما عن المشكلة الفيزيقية، فإن الذرات تنحرف لكي تتلاقى، ولولا هذا الانحراف غير المعين أو اللاحتمي لظلت الذرات إلى الأبد في خطوطها المستقيمة إلى أسفل عبر المكان الفارغ، ولن تتجمع في أشياء، وبالتالي ما كانت الطبيعة لتخلق أي شيء