تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

وساعدوا على إذكاء هذا التشهير طوال العصور الوسطى. ••• (28) ولكن حتى في هذا لو تلمسنا طبيعة العصر وطبيعة الديانات وطبيعة الفلسفة في عهد أبيقور لتمكنا من ناحية أن نلتمس العذر له، ومن الناحية الأخرى الدخول في جوهر ما يعنينا من فلسفته، وهو بالطبع ليس الدفاع عن شخصه، وإنما عن رؤيته المتكاملة للمشكلة القائمة بين الحتمية الكونية والحرية وعن التلازم القائم بين اللاحتمية والحرية.

فقد كان العصر الهلينستي عصرا هائجا مضطربا، تميز بانعدام الأمن والعنف والقلق، فالتمس الناس الخلاص في عبادة آلهة الحظ والبخت (التوخا والفوتونا)، وأصبح الباعث على التفلسف الرغبة في الهروب من متاعب الحياة وشرورها؛ لذلك أراد أبيقور نفي الآلهة لما تثيره من مخاوف كمفاجآت القدر وتوجس الحساب والعقاب، ولكيلا توجد قوة تضمر للإنسان شرا ولا خيرا فتثير قلقه.

ومن أجل هذا عمد أبيقور إلى تفسير الكون تفسيرا ماديا محضا باستبعاد الآلهة، فتصبح «الطبيعة حرة تسير من تلقاء نفسها بلا سادة متحكمين وفي غير حاجة لمعونة الآلهة»،

9

واستبعد أيضا الغائية والعلة الخارجية من كل شيء حتى من تفسير نشأة الحياة وتطور الكائنات الحية فرأى أنها نشأت على الأرض، بحيث بقي منها الأصلح واندثر غير الصالح،

10

إن الكون في رؤية أبيقور مادة خالصة، وكل شيء فيه مادي، له علة مادية وأقر بأن المجموع الكلي للأشياء لا يزداد بإضافات جديدة، وأن كم المادة لا ينقص بخسارة مطلقة، فالشيء المنفرد لا يتحطم نهائيا بل ينحل إلى الذرات المكونة له، وهذه هي الفكرة المعروفة حديثا باسم مبدأ بقاء المادة.

11

ولتشييد مثل هذه الفلسفة المادية، استفاد أبيقور من مادية الأيونيين،

12

وأخذ بذرية ديموقريطس القائلة إن الكون يتكون أساسا من عنصرين: الذرات والخلاء، وكل الموجودات الأخرى مركبة منهما فانتهى إلى أن الكون أزلي فلا يوجد شيء من العدم ولا ينتهي شيء إلى العدم، وأن هناك عددا لا نهائيا من الأكوان تتكون وتفنى من عدد لا نهائي من الذرات المتحركة في خلاء لا نهائي،

13

وعلى الرغم من أن الذرات جميعها في حركة دائمة فإن مجموعها يبدو وكأنه يقف بلا حركة، وهي تبدو لنا هكذا لأن الذرات تقع بعيدا عن مدى حواسنا،

14

وهي لهذا مجردة في حد ذاتها من كل الصفات الحسية، مجردة من لون وحرارة أو برودة وأصوات أو روائح أو طعوم؛ على ذلك فما يبدو محسوسا هو في حقيقته لا يعدو أن يكون مكونا من ذرات غير محسوسة،

15

الخاصة الوحيدة التي ينسبها أبيقور إلى الذرات هي الثقل والوزن.

وإذا كان من المستحيل الشك في الوجود الحقيقي للروح

Soul

فينا وفي الآخرين، فإن أبيقور لم يدع هذا يخل بماديته، فاستهل أبحاثه بتقرير أن الروح جسد، وافترض أنها مثلها مثل كل الموجودات الأخرى مركبة من الذرات والخلاء، ووضع خطوطا مادية للتفسيرات السيكولوجية وتفسير الإحساس، وزاد شارحه لوكريتوس بتوضيح أن الروح تبعث الحركة في الأطراف، وهذا لا يمكن أن يحدث بغير اتصال، والاتصال يتضمن جسدا، والروح أيضا تعاني مع الجسد، على كل هذا يجب أن تكون الروح ذات طبيعة جسدية أو مادية، ووصل أبيقور لذروة التفسير المادي باستنتاج أن الروح تفنى مع الجسد، فما دامت الروح مجرد مركب ذري، فلا بد وأنها كالجسد تماما تفنى، ولا يمكن أن يكون لها وجود من أي نوع بعد الموت.

16

هكذا لم يصعب على الأبيقورية تفسير الروح أو النفس تفسيرا ماديا، ولا هي ابتدعت بدعة في هذا؛ ذلك لأن ثمة «فكرة خاطئة سادت الفكر القديم ولا تزال عالقة باللغة حتى اليوم»، وهي أن النفس هي النفس (من التنفس) فكانت سائر الكلمات القديمة التي أطلقت على النفس تعني في أصلها الهواء أو التنفس، كما هو الوضع في اللغة السنسكريتية، والذرية القديمة لها أصل هندي، وفي اللغة العربية، وأيضا في الإنجليزية الحديثة كلمة

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٧٣