4
وعلى الرغم أيضا - وبالتالي - من رفضهم البات لما رآه كانط من حتمية علية شاملة لكل الظواهر، فإنهم كانطيون، يفخرون بانتسابهم لكانط، وبأن ينعتوا بأصحاب النقدية المثالية المحدثة، هم نقديون مثاليون إبستمولوجيون مثل كانط، ولكن حداثتهم تجعلهم يرفضون حتميته الشاملة للظواهر، ونفيه للحرية من هذا العالم: عالم الظواهر.
مع هذا التيار بفرعيه، اتخذ نقد العلم أو محاولة تعيين حدوده، صورة حملة شعواء على الحتمية العلمية، وكانت مع الفرع النقدي أقوى؛ لأنها متسلحة بالمنهاج الكانطي، فراحوا يؤكدون الدور الإيجابي للعقل بالنسبة للحواس، وحجتهم في هذا أنه لا علم بغير فرض، وهذا معناه أنه ليس ثمة علم إذا لم نقر بشيء لا يقاس ولا يحسب ولا يوزن ... وأن فكرة الاحتمالية تلعب دورا كبيرا في العلم، ولا ينبغي رد الأعلى (الحياة) إلى الأدنى (المادة) كما تفعل الميكانيكية، والقوانين الطبيعية ليست نسخا من الواقع، وليست سلاسل تفرض علينا من خارج، إنها تؤلف لغة ذات كمال لا شك فيه، بيد أن هذه اللغة تنتسب إلى ميدان المعقول؛ ولهذا لا ينبغي أن نبدأ من الواقعة، بل من الفكرة،
5
ولم تكن فلسفات الحرية العديدة في هذا التيار بفرعيه إلا تنويعات مختلفة لهذه النغمة: إنهم يثبتون الحرية بأن يبدءوا منها كفكرة. ••• (21) «الفرع الأول: الوضعية الروحية»: ويعتبر فليكس رافيسون
Felix Ravisson (1813-1900) رائدا لهذا التيار من حيث كونه فلسفة للحرية على أساس الشعور أو الفكرة، وخصوصا في هذا الفرع البيراني أو الروحي، واستنادا إلى مين دي بيران، يبرز رافيسون التأثير الكبير الذي للعادة، العادة
6
بمعنى الاستعداد والفضيلة، ويقرر أنه في الشعور بالمجهود تتجلى الشخصية لنفسها على شكل نشاط إرادي، فالمجهود ليس فقط الشرط الأول، بل هو أيضا النموذج الكامل والموجز للشعور.
على هذا نلاحظ أن «العادة» عند رافيسون ليست البتة العادة بالمفهوم السيكولوجي أو المعنى المتعارف عليه، بل المقصود بها الإشارة إلى استعداد معين يتميز وينفرد به كائن حي. إنه الاستعداد للتغير الذي يتولد ويتخلق في الكائن الحي، عن طريق استمرار وتكرار هذا التغير نفسه، وبالمجهود المبذول في هذا الصدد، المادة الجامدة التي هي ميدان التجانس التام والتشابه المطلق لا تعرف البتة العادة - أي الاستعداد للتغير - على العكس من الحياة التي يقوم جوهرها على هذا، من هنا كانت العادة التي هي مستحيلة على المادة أمرا خاصا بالكائن الحي، مميزا له. هي إذن ميدان الفردية والتميز، وفيها - في العادة أو في الاستعداد للتغير - تتجلى الإرادة والحرية. إن ميدان الحياة هو ميدان التغير والدوام، ميدان العادة، ميدان الإرادة والحرية، رافيسون إذن يجعل العادة (الاستعداد للتغير) تفتح لنا الباب على مصراعيه للخروج من غياهب الحتمية الميكانيكية، إلى رحاب الحرية والاختيار، والإيمان أيضا، فقد أكد أن الإرادة تبحث دائما عن الرب.
إن القائلين بالحتمية يبدءون بالمادة أي بالطبيعة الفيزيقية الخاضعة للحتمية، ومنها يخرجون إلى الإنسان ويخضعونه للحتمية نفسها، ربما لأنه من الأيسر والأسلس أن نبدأ بالبسيط أي المادة، ونتدرج منه إلى الأكثر تعقيدا ... إلى ظاهرة الحياة ثم الإنسان، ولكن هذا التيار الروحي رفض هذا، رفض البدء من المادة وأكد على العكس تماما، على البدء من الروح والوجدان، فيصل إلى الحياة، ومنها أخيرا إلى المادة.
وطبعا رافيسون الرائد قد أكد على هذا، بل وتوغل فيه حتى عمل على إذابة الفلسفات الوضعية والتجريبية في الفلسفة المثالية الروحية، كي تستوعب الروحية الواقع بأسره، حتى الواقع المادي. بل وأكد رافيسون أن المادية سطحية قاصرة، غير قادرة على الاستقلال أو الاستمرار ما لم ترد إلى الروحية، وأخرج عام 1867 كتابه «تقرير عن الفلسفة الفرنسية»، ليثبت أن كل فلاسفة فرنسا بلا استثناء، حتى أولئك الذين يبدون مسرفين في المادية وفي الإيمان بالحتمية وعلى رأسهم أوجست كونت، يفترضون مبدأ الروح الميتافيزيقي ضمنا، أو على الأقل يعودون إليه، ثم جعل رافيسون من هذه الفرضية أساسا لتأريخ الفلسفة بجملتها، وليست فقط الفلسفة الفرنسية.