تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الاقتران بين الحرية الإنسانية وبين الاتجاهات اللاعقلانية، كالرومانتيكية والوجودية والبيرجسونية ... هذا الاقتران الذي يعد سمة مميزة للفكر والفلسفة منذ أواسط القرن العشرين هو في حقيقته من مخلفات الفلسفة الحديثة وآثارها، وفي الوقت نفسه قصور عن تتبع تطورات العلم الثورية التي حدثت في القرن العشرين ذاته.

ولكننا على أية حال في هذا الفصل وفي الفصل التالي أيضا، ما زلنا في العصر الحتمي، أي في زمان الفلسفة الحديثة التي كانت المنشأ والمنبت والمرعى الخصيب لتلك الشيزوفرينيا.

الفصل الرابع

| خطوة فرنسية على الطريق

(20) ظلت الشيزوفرينيا الصريحة باقية وماثلة في فلسفة القرن العشرين، خصوصا مع جوزيا رويس

J. Royce (1855-1916) في أمريكا، وبيرجسون في أوروبا، إلا أن هذا استمرار لأصل قد كان، ووصل إلى ذروته بنهاية القرن الثامن عشر، كما أوضحنا في الفصل السابق.

وعلينا الآن أن نركز الأنظار على هذا الأصل، لنجد أن عملية الفصم في زعمها بأن العقل أو الروح أو الإرادة، خارج دائرة الحتمية العقلية، قد لقت سندا قويا يتمثل في أن أعماق النفس ودخيلة الإنسان مجال لم يغزه العلم بعد، وستظل ذروة هذا الفصم وأنضج صورة في النومينا والفينومينا عند كانط، وحتى عصر كانط - أي حتى بداية القرن التاسع عشر - لم يفكر أحد تفكيرا جديا في فكرة العلوم الإنسانية والأخلاقية، أي في إمكان أن تخضع هذه الظواهر للدراسة العلمية.

1

ولكن، إذا دلفنا إلى قلب هذا القرن - التاسع عشر - فسنجد الاجتياح الحتمي وقد عم وشمل، وأصبحت بحوث علم النفس والاجتماع علوما تسعى نحو المثال الحتمي المنشود، ففقدت القسمة الشيزوفرينية بريق سندها في أعين العقلانيين الباحثين عن الحرية في هذا العالم، والذي لم يعد ثمة عالم سواه؛ بعبارة أخرى، لم يعد ثمة مجال تنفى إليه الحرية أنطولوجيا، فلم يبق إلا الوجه الآخر للعملة: الإبستمولوجيا.

ولما كانت فرنسا هي التي شهدت أقوى صورة للحتمية في العلوم الإنسانية مع وضعية أوجست كونت، وهي في الآن نفسه الأمة الحريصة على جعل الحرية خاصة من خصائص شخصيتها، فقد ظهر في هذا البلد المستنير، وكرد فعل لسيطرة الوضعية على الفلسفة الفرنسية ومحاولة تحقيق شيء من التوازن معها، ظهرت طائفة من فلاسفة الحرية، يقرون تماما بفاعلية وجدوى ومشروعية العلم الوضعي، شريطة التخلي عن حتميته الصارمة التي سحقت الحرية الإنسانية، إنهم باحثون عن الحرية الأصيلة غير المفارقة ولا المتعالية، فكرسوا جهودهم من أجل هذا لا في النيل من العلم ذاته - وإلا لما كان لنا لقاء معهم - وإنما في النيل من حتميته.

إنهم تيار يكافح ضد سيطرة الحتمية العلمية، يمكن تسميته بحركة نقد العلم، فهي حركة أو محاولة لتعيين حدود العلم؛ بعبارة أدق، لتعيين حدوده الإبستمولوجية، وتقليم أظافره الأنطولوجية؛ بغية ردع حتميته التي طغت. وبقليل من التعسف، يمكن التمييز بين فرعين التقيا في هذا التيار.

الفرع الأول: وضعية ميتافيزيقية أو روحية: متأثرة بالوضعية، وبمين دي بيران

Main De Biran (1766-1824) بإقراره أن الواقع الحق ليس الجوهر النفسي الديكارتي، بل هو الحياة الروحية الباطنية، أي الحياة النفسية والنشاط الروحي المستور، وأن العلامة المميزة للحياة الإنسانية هي معرفة الذات للذات، أي الشعور، والواقعة الأولية للشعور هي الأنا بوصفه العلة والقوة والإرادة والفعل.

2

وفي الشعور بالجهد أو المجهود توجد بالتضمن معان أولية هي شروط الفكر وأصول العلم، هذه المعاني هي الوجود والجوهر والوحدة والذاتية والقوة والعلة، وأهمها «معنى الحرية متجليا في معارضة الإرادة للنزوع».

3

أما الفرع الثاني الوضعية النقدية: فهو الأقوى والأهم، متأثر بالوضعية وبالكانطية على السواء، وعلى الرغم من أن عماد الحرية عندهم هو الرفض البات للتصور النومينالي الكانطي المفارق؛ لأنهم رأوا «أن ذلك المطلق المطرود من الوجود لا ينتج غير مشاحنات كلامية»،

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٦٣