تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى هذا النحو يؤكد رافيسون اتصال الروح والمادة، خلافا لما يذهب إليه ديكارت، وسائر أتباعه الشيزوفرينيين من انفصال بينهما، وواقعيته الروحية ستنسخ الفرضية القائلة إن المادة الآلية الميكانيكية هي الأصل والحياة ظاهرة لاحقة، بل ستجعل الأصل الحياة، والغائية هي التي تستخدم الآلية وتسخر العلية ... فطالما أن الحياة أصل والمادة فرع، والحياة مبدؤها الغائية والمادة مبدؤها الآلية، فستغدو الغائية هي الأصل المنظم للوجود، والآلية عنصرا من عناصر الغائية، هكذا تستخدم الغائية الآلية.

رافيسون إذن يجري على وتيرة هذا التيار من معارضته للمنهج الميكانيكي الذي يرد الأعلى إلى الأدنى، وهدفه تمييز الحياة عن المادة البحتة، فأكد أن هذا التمييز يلاحظه جميع الفلاسفة والعلماء حين يتعمقون في دراسة طبيعة الحياة، مما يؤذن بقيام مذهب جديد هو الواقعية الروحية، التي تتصور الوجود على مثال الوجدان، إنها مقولة الحياة، التي أصبحت بفضل رافيسون عنصرا خصيبا في كل فلسفات الحرية، يتجلى هذا خصوصا عند بيرجسون، أخلص تلاميذه، وبصفة عامة انفصل رافيسون انفصالا نهائيا عن التجريبية، ثم أصبح رائدا للنزعة اللاعقلانية المنتشرة في الفلسفة المعاصرة من حيث هي فلسفات للحرية.

وكمثل رافيسون، نجد شارل سكريتان

Charl Sacretan (1815-1895). إنه لا ينتمي لحركة نقد العلم، ولا لأية وضعية، ولا حتى لفرنسا، فهو من سويسرا الفرنسية، ولكنه يدخل في زمرتهم لأنه كتب بلغة فرنسية ولأنه نابع لمين دي بيران، وبذل جهدا فائقا من أجل الحرية، أكد أن المطلق حرية مطلقة و«أنا أريد ما أريد» والواقع والروح والإرادة والنشاط مترادفات،

7

على أن سكريتان تحمس للحرية لأن الأخلاق لا تستغني عنها، ومن الضروري البحث عن مبدأ أعلى يكون أصلا وقانونا لها، فأعرض عن العلم وعالمه، وأقام فلسفته للحرية على اللاهوت المسيحي؛ لينتهي إلى أن الرب هو الحرية المطلقة يريد الخليقة لذاتها لا لذاته وهذه هي المحبة، ويريدها كغاية، إذن يريدها حرة، والأخلاق لتحقيق الحرية.

8

وبطبيعة هذه الحركة، يبدأ جول لكي

Goul Laquier (1814-1862) من الفكرة، من الحرية كفكرة، ليؤكد أنها شرط المعرفة، أو أنها الحقيقة الأولى التي نوفق إلى اكتسابها حين نبحث: كيف نحدد الغاية ونقاطع المألوف والمعتاد، إنه يريد إثبات الحرية بحرية؛ لأن ذلك هو السبيل الأوحد الذي لا سبيل سواه، فإن بدأت بالضرورة أو مع الضرورة، لن أصل أبدا إلى الممكن، ولا إلى أية حرية حقيقية بأية صورة من الصور.

على أن جول لاشيليه

Goul Lachelier

أبرزهم، إنه رائد عظيم لهذا التيار، جمع بين تأثير مين دي بيران وتأثير كانط، وبالطبع، بدأ من الفكرة ومن أن «الامتداد بحكم طبيعته لا يمكن أن يوجد في ذاته، إنه لا يوجد في الشعور لأن الشعور وحده يمكن أن يكون هو ما هو، إنه كل معطى في ذاته قبل أجزائه، وأجزاؤه تقسمه لكنها لا تقومه،

9

وحقيقة الشعور بمنأى عن الشك».

ولاشيليه أكثر أعضاء الفرع البيراني تحملا لمسئولية المواجهة الصريحة مع الحتمية العلمية، فقد سعى إلى البرهنة على أن العلم من صنع العقل وليس نسخة من الواقع؛ لأنه يتوقف على عناصر قبلية وكل واقعة ممكنة عرضية ... وعلى العكس، القانون تعبير عن ضرورة مفترضة، عن طريق الاستنتاج من الوقائع إلى القوانين، إنه استنتاج من الجزئي إلى الكلي ومن الممكن إلى الواجب ومن المحتمل إلى الضروري، فمن المستحيل إذن أن نعد الاستقراء عملية منطقية.

10

بعبارة أخرى: يهاجم لاشيليه الحتمية عن طريق الإطاحة بأساسها الميثودولوجي الذي يؤدي إلى قانون علمي حتمي، وهذا في الواقع موقع وجيه للإطاحة بالحتمية العلمية.

11

وكان موضوع رسالة لاشيليه للحصول على الدكتوراه: «في أساس الاستقراء» انتهى فيها إلى أن الاستقراء بوضعه مع الحتميين بلا أساس البتة، وهذه مسألة معروفة في فلسفة العلم، ومنذ أيام ديفيد هيوم، ولكي ينقذ لاشيليه الاستقراء، أدخل العلة الغائية على العلة الفاعلة، وأيضا لكي يجعل الكل ينتج وجود أجزائه، ولكي ينتهي إلى أن التجريبية ليست كافية، وأن الشك أو نفي العلم ثمرة متجددة لها، ومثلها - أي مثل التجريبية - نظريات الجوهر التي هي تلاعب لغوي، ولم يبق غير حل واحد: في الفكر وعلاقته بالظواهر نبحث عن أسس الاستقراء وعن وجود العلل الفاعلة والعلل الغائبة، الأولى حتمية وفي الثانية حرية إنسانية؛ لينتهي إلى أن ما نسميه حريتنا هو الشعور بالضرورة، وهي التي تحدد الغاية التي يتصور عقلنا في سلسلة أفعالنا، وجود الوسائل التي يجب بدورها أن تحدد وجودها.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٦٥