18
وإلى مثل هذا يجنح آينشتين هو الآخر.
على أن علماء العلوم الإنسانية كانوا أكثر من غيرهم حماسا لنفي الحرية، لوثيق اتصالها بموضوعهم، وكان الاجتماعيون الفرنسيون، مقتدين بإمامهم أوجست كونت، في منتهى الاتساق والعزم والجزم في هذا، فرغبتهم في جعل علمهم المتعثر كفيزياء نيوتن جعلتهم من غلاة الحتميين، رأى أوجست كونت أن الفلسفة الميتافيزيقية واللاهوتية تنطلق من الإنسان فنتج عن ذلك اعتمادها على فكرة الإرادة كصفة للظواهر، أما سيادة الروح الوضيعة فقد أدت إلى بروز فكرة القانون والتي تمثل تقدم الروح الوضعية في مدى تدرجها في الظواهر حتى بلوغها الإنسان ذاته والمجتمع بوصفهما آخر مجالين يبلغهما تطور سيادة هذه الفكرة،
19
أي فكرة القانون الوضعي الذي يحل محل الحرية.
على هذا الأساس الوضعي يأتي على سبيل المثال ألبير باييه وهو من تلاميذ دور كايم المخلصين ومتيم بالعلم الفيزيائي لانجفان خصم اللاحتمية اللدود، ليقول في معرض الدفاع عن أخلاقيات العلم الرفيعة وتبيان أنها السبيل الأمثل لتمجيد إنسانية الإنسان: «يستطيع الفيلسوف أن يضع في كل فرد من الناس إرادة حرة مستقلة كما المنجم يضع في كل كوكب وكل نجم إرادة عليا لإله من الآلهة، ولكن كما أن علم الفلك الحديث يفسر حركات القمر بقوانين متعلقة، لا بمشيئة أرتميس، كذلك يأبى علم الاجتماع أن يفسر الوقائع الإنسانية إلا بقوانين متضمنة في الأشياء»،
20
ومن هذا يستطرد باييه إلى المواجهة الصريحة مع المتشبثين بأطلال خزعبليات الحرية قائلا: إنني أسلم بأن الجواب الوحيد الذي يمكن أن يوجه إلى أنصار الحرية هو تزايد القوانين الاجتماعية التي محصت تمحيصا حسنا، والواقع أن ما شاع عندنا إطلاق اسم الحرية عليه إنما هو جهلنا بالعلاقات بين العلل ومعلولاتها.
21
على أن إنكار الحرية الأنطولوجية وطبعا بواسطة العلم وقوانينه موقف يكاد يشترك فيه كل العلماء، والذي ميز الاجتماعيين الفرنسيين بعزم واتساق متميزين هو أنهم انفردوا بالعمل على نفي الحرية في مستواها الثاني أيضا، كما ستوضح (الفقرة 18)، كانت وضعية
Positivism
كونت تعني دلاليا الوقوف موقفا إيجابيا من النظام الاجتماعي القائم؛ لذلك رأى أن الكائن الاجتماعي يجب أن يندمج في شخصية متسلطة تسلطا مباشرا، ويجب تأكيد السلطة المركزية في كل الميادين لذلك نادى بالحد من حرية التفكير، لقد فرح وهلل عندما قبض نابليون على ناصية السلطة بيد من حديد، ولم يكن يهتم إطلاقا بحرية الفكر أو حرية الإنسان؛ وقال صراحة: «حرية الضمير لا توجد في الرياضيات.»
22
ومن هذا الموقف النافي للحرية في مستواها الثاني حرص كونت على أن يكون هذا العلم الجديد، أي علم الاجتماع، أداة محافظة وتبرير، ولكي يتمكن علم الاجتماع من أن يكون هكذا بناه على أساس وضعي مذهبي، له تعاليم وأيديولوجية تدعو إلى الاستسلام للواقع.
إن الاستسلام يعد نقطة أساسية في كتابات كونت وهو مستمد من قبول قوانين أزلية ثابتة لا تتغير ولا يجوز لأحد أن يغيرها، وإلا استحق العقاب، وإن حاول فلن يقدر لأنها حتمية، ومعنى هذا أن الإنسان عليه أن يمتثل ويتواءم مع ما هو قائم، فليس له إرادة ولا يجب أن تكون.
23
وعمق إميل دور كايم من هذا، وتسير كتاباته المتنوعة في مسار تأكيد ضرورة الانصياع لما هو قائم، وما هو محيط، فالظاهرة الاجتماعية حتمية، أي إجبارية وإلزامية، وعلى المرء أن يتلاءم معها وينصاع لها ومن هنا تلعب قضية الضبط الأخلاقي والتنشئة الأخلاقية
Moralization
دورا بارزا،
24
وكان جوهر الاشتراكية عنده ليس في الملكية ولا في دولة الرفاهية، وإنما في دمج الفرد في المجموع من خلال سلطة أخلاقية تريحنا من وهم الحرية أصلا وفروعا.
أما عن علماء النفس - النفس التي يؤرقنا التساؤل ما إذا كانت حرة أم لا - فموقفهم أعنف؛ لأن حتميتهم أمسكت بخناق الحرية الإنسانية مباشرة. ••• (9أ) «الحتمية السيكولوجية»: كثيرون من فلاسفة الحرية وأولهم هنري بيرجسون، يرون كل خطورة الحتمية الكونية تتركز في الحتمية السيكولوجية، بعبارة أخرى لأن الحتمية الكونية