Universal determinism
تفضي بالضرورة إلى الحتمية السيكولوجية فهي لهذا، وربما لهذا فقط تنفي الحرية.
وإني أرى في هذه النظرة قصورا وتوانيا عن تتبع القضية إلى حدودها الكلية الحقيقية، ولعل الطموح الأنطولوجي الهادف إلى تمزيق قوقعة العلم الإبستمولوجية هو الحافز لتجاوزها، فلو اقتصرنا على فتوى العلم في الحتمية السيكولوجية لما حققنا شيئا من ذلك الطموح، أو بالكثير حققنا نزرا يسيرا، حسوة لا تطفئ ظمأ العصفور، الهدف إفتاء العلم في مجمل بل مطلق الصورة الأنطولوجية التي تقع فيها أفعال الإنسان؛ لذلك لا ينبغي إعطاء الحتمية السيكولوجية أكثر مما تستحق، وبوصفها آتية من علم كائن في مؤخرة سلم العلوم، فقط لأن الفيزياء التي كانت تتربع على قمته كانت حتمية، وهذا ما فعلته الصفحات السابقة، وعليه تغدو الحتمية السيكولوجية مجرد جزء ينطبق عليه ما ينطبق على الكل، وهي بالفعل هكذا تماما؛ لأنها لا تعدو أن تكون: النظرة إلى الأحداث النفسية هي نفسها النظرة إلى الأحداث الكونية ويمكن التنبؤ بها يقينا إذا عرفنا عللها، المسألة كلها انسياق الأحداث النفسية في تيار الأحداث الفيزيقية، وليست الحتمية الكونية تنفي حرية الإنسان لأنها تفضي إلى الحتمية السيكولوجية بل الأحرى أن الحتمية السيكولوجية هي التي تنفي حرية الإنسان؛ لأنها مردودة إلى الحتمية الكونية التي هي أساسا الحتمية الفيزيائية.
وعلى هذا فالحتمية السيكولوجية قائمة على نظرة ترابطية تحليلية للنفس تجعل الحياة العقلية تسلسلا متعاقبا بين لحظات كل منها معلول لما سبقها وعلة لما يلحقها.
والسؤال الآن: إذا كان علماء النفس لن ينظروا بالطبع إلى الوعي أو الحالات الذهنية كظواهر جانبية أو ثانوية، فكيف تنفي الحتمية السيكولوجية حتمية الإنسان، وبصورة مباشرة متبدية للأعين مهما كانت النظرة سطحية أو عجلى؟
الإجابة واضحة؛ فنفس منطوق تعريف الحتمية السيكولوجية في علم النفس الفلسفي يقول: «إن لا شيء يحدث بواسطة الإرادة الحرة أو الاختيار أو المصادفة لأن كل معلول له علة ضرورة كافية».
25
ويمكن عرض الحتمية السيكولوجية، ونفيها لحرية الإنسان، من خلال ثلاث قضايا أو مقدمات فيها البرهان الجلي على أن الحتمية السيكولوجية لا تعدو أن تكون جزءا من كل، ولا تتمتع بأية أفضلية على سائر الأجزاء، اللهم إلا في قربها ومباشرتها؛ ذلك أن الحتمية السيكولوجية تعني أولا أن حالات الذهن معلولات لحالات فيزيائية أخرى، وثانيا أن حالات كثيرة للذهن مترابطة أو متضايفة
Correlate ، وثالثا أن حالات الذهن علل؛ علل لحالات ذهنية أخرى، وأيضا علل لحركات الجسد التي هي أفعال أو تصرفات، بعضها بسيط نسبيا وبعضها - كالكلام مثلا - معقد يعتمد على خبرات ومعتقدات ومتوارثات وطقوس شائعة. على أن الأفعال سواء كانت بسيطة أو معقدة إنما هي حركات معلولة بحالات في الذهن، وهذه المقدمات الثلاث عن حالات الذهن بوصفها ترابطات لزومية وبوصفها عللا، يتبعها أننا حين نفعل أو نتصرف في أي موقف فإننا لا يمكن أن نتصرف إلا كما تصرفنا بالفعل، ويتبعها أيضا أننا لسنا مسئولين عن تصرفاتنا، والأهم من كل هذا أننا لا نملك نفوسا ذات خاصة معينة.
26
الحتمية السيكولوجية بهذه المقدمات الثلاث نظام علي صارم كامل، فأولا الأفعال حركات معلولة بحالات الذهن، وثانيا حالات الذهن المرتبطة فيزيقيا بالوعي، هي في ذاتها معلولة بحالات فيزيقية - أو فيزيائية أخرى، ومادة القضايا التي تعبر عنها هاتان الجملتان، هما جماع الخبرة الإنسانية،
27
هكذا عدنا من حيث بدأنا: من الحتمية الكونية التي هي أساسا حتمية فيزيائية، تجعل كل أحداث هذا الوجود مترابطة عليا في طريقها الواحد المحتوم. (9ب) «والواقع أن تتبع نشأة ونمو علم النفس»، هو في حقيقة الأمر تتبع لكفاح علم النفس الباسل من أجل الوصول إلى المثال الحتمي الذي كان منشودا، وكانت نهاية هذا التتبع، أو نتيجة ذلك الكفاح، أن علم النفس قد استطاع الامتثال لذلك المثال عن طريق عدة مدارس، بزتها جميعا في الخضوع للحتمية والإخضاع لها، مدرستا التحليل النفسي والسلوكية، اللتان تربعتا على عرش علم النفس بسبب ذلك النجاح الحتمي.