تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحتمية قد أصبحت يقينية في العالم اللاعضوي، فلماذا لا تصبح هكذا في العالم العضوي وأيضا العالم العقلي؟ إنها حجة المماثلة التي دفعت بقية أفرع العلم - كما أوضح المدخل - إلى السعي نحو المثال الحتمي.

والحجة الثانية أقوى الحجج، إنها تقوم على أن حركات الأجسام المادية حتى تلك التي تنسب عادة إلى الإرادة والحرية يمكن تفسيرها في حدود العلية الفيزيقية، وما دام الأمر هكذا فإن الإرادة الحرة ليست لها فاعلية علية، وقد يثار اعتراض من أنصار الحرية مؤداه أنه من الواضح أن الإرادة الحرة عادة ما يتبعها الفعل أو الحركة المرادة وأن بعض تسلسلات الحركات الجسدية كتلك المتضمنة في كتابة هذه السطور ما كانت لتحدث ما لم تسبقها إرادة حرة مناظرة، فكيف يمكن تفسير هذا الارتباط غير المتغير تقريبا والذي ليست له أية علاقة علية مباشرة؟ وأكثر الاستفسارات استصوابا أن بعض العوامل الفيزيقية في العلة الكلية لمثل هذه الحركات الجسمية لها معلولات فيزيقية وبالمثل معلولات نفسية، والحركة الجسمية لا تحدث إلا إذا سبقها وضع فيزيقي هو مثل سائر الأوضاع الفيزيقية محتم تماما، وطالما أن أية إرادة - هي بالضرورة - مصاحبة أو تالية لأوضاع فيزيقية كانت كل إرادة محتومة تماما،

15

وبالتالي يصبح افتراض حريتها مستحيلا أو على أحسن الفروض نافلة لا داعي لها. (8) «إما العلم وإما الحرية»: هكذا كانت الحتمية العلمية تنفي الحرية الإنسانية وكأنها محض وهم جاس يوما في العقول، ولم يعد يليق بالإنسان في عصر العلم أن يفسح مجالا لمثل هذه الأوهام الفارغة، فتكاتفت العلوم بأفرعها المختلفة لتعمل على تخليص الإنسان من وهم الحرية والإرادة، تماما كما كانت تعمل على تخليص الإنسان من شتى مخلفات عصور الجهالة البائدة وبواسطة سعيها الطموح نحو المثال الحتمي، كل تقدم صوب هذا المثال، أي كل تقدم إجمالا، إنما هو على حساب الحرية الإنسانية حتى إذا وجدنا أنفسنا بإزاء نسق العلم الحتمي الكامل، فقد وجدنا أنفسنا بإزاء نفي كامل لكل ولأية حرية إنسانية.

وما دام الأمر هكذا فلا بد وأن علماء الحتمية يعتبرون الحرية لغوا باطلا وخلفا محالا، يلفظونها كما تلفظ النواة وبلا مواربة، لقد ظل إنجيلهم مبدأ ديكارت أبي الفلسفة الحديثة، وقد رأيناه من أساطين الحتمية العلمية، المبدأ الذي يقوم على أن لا شيء يجيء من العدم وأن قدرة إرادة ما تتكون فقط من أننا مجبرون على تصرف معين بتأثير قوة خارجية؛ وعلى هذا فحرية الإرادة ما هي إلا الاسم الذي نطلقه على الحتمية التي لا ندركها،

16

لقد وجدوا أنه من الضروري تقبل المذهب الحتمي في شكله التقليدي، فأفعالنا تحددها إرادتنا، وإرادتنا تحددها دوافعنا، ودوافعنا محكومة بماضينا، سيفكر عالم النفس في هذا الماضي على ضوء الوراثة والبيئة وعالم الفسيولوجيا في ضوء الأنشطة الكهربائية الكيميائية ... ولكنهم جميعا سيتفقون على أن القوة النسبية للدوافع تحددها أحداث الماضي بحيث لا يختار الإنسان لنفسه أبدا فماضيه هو الذي يختار دائما،

17

أولم تعلمنا الحتمية العلمية أن المستقبل مجرد وليد للماضي؟

ظل هذا هو موقف العلماء، وتمسك به حتى بعض من علماء الفيزياء والمعاصرين ومن الذين أهدوا العقل البشري الاهتداء إلى اللاحتمية، وعجزوا هم عن التخلص من الحتمية، مثلا، ... كتب ماكس بلانك في كتابه «إلى أين يتجه العلم» ما يزكي هذا المعضل مؤكدا وجوب التمسك بأن مبدأ العلية يمتد حتى يشمل أسمى إنجازات النفس البشرية، فيجب أن نقر بأن عقل كل من عباقرتنا العظام أرسطو وكانط وليوناردو وجوتة وبيتهوفن ودانتي وشكسبير حتى في أسمى لحظات السمو الفكري وأعمق مراحل التعمق النفسي يكون خاضعا لأوامر العلية ويكون أداة بين يدي قانون جبار يحكم العالم،

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٣٥