تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الأول

| الوضعية المنطقية ومعاييرها لتمييز العلم

مقدمة

الفلسفة بالمعنى المحدد الذي نريده لها، لا تورط نفسها في مجالات العلوم الخاصة، ولا تخلق لنفسها مجالات غير مجالات العلوم، بل تجعل مهمتها تحليلا منطقيا للمدركات العلمية والقضايا العلمية، وبهذا تصبح الفلسفة فلسفة للعلم أو تحليلا له ، هدفها هو التوضيح لا الإضافة الجديدة، فليس هناك عالم إلا عالم الواقع، وليس لأحد أن يتحدث عنه حديثا موضوعيا إلا رجالات العلوم المختلفة، وللفلسفة أن تجيء بعد ذلك فتحلل وتوضح.

د. زكي نجيب محمود (1) الوضعية المنطقية

Logical Positivism ، مذهب على قدر عظيم من قوة الرأي وصلابة الحجة ووضوح الرؤية، دعامته الأولى وسنده الأعظم أقوى الدعامات وأعلاها شأوا ألا وهي العلم الحديث، أما دعامته الثانية فأجل خطورة، إنها المنطق الرياضي. (2) وأقطاب هذا المذهب ذوو ثقافة علمية عميقة وأصيلة، بل إن معظمهم علماء أصلا، فهذا مؤسس الجماعة موريتس شليك

Moritz Schlick (1882-1936م) حصل على درجة الدكتوراه برسالة موضوعها «انعكاس الضوء في وسط غير متجانس» وليس فحسب، بل وإنها تحت إشراف عالم الطبيعة العظيم ماكس بلانك

Max Planncke

صاحب الكشوف الفيزيائي الخطير في استحداث الكمات بوصفها وحدات أولية للطاقة (عام 1900م)؛ لذلك اصطنع شليك لنفسه لقب العالم الفيلسوف

Scientist-Philosopher ، ربما أسوة بآينشتين، فقد كان شليك شارحا كبيرا له.

ويرجع ذلك إلى عام 1895م، حين قررت فيه جامعة فيينا، اصطناع كرسي لفلسفة العلوم التجريبية منتظرين من هذا سبر مدى عمق الاتجاه التجريبي في الجامعة من ناحية، ومن ناحية أخرى آملين منه أن يؤدي إلى تقوية هذا الاتجاه وصقله،

1

على أن يتقلد هذه الأستاذية أحد علماء الطبيعة يكون ذا ميل للعلوم الفلسفية، وكان إرنست ماخ

Ernest Mach (1838-1916م) أول من تقلده إلى أن اعتلاه موريتس شليك.

وهذه الخلفية العلمية المتينة خلقت فيهم اتجاها أمتن نحو العلمية حتى أرادوا أن يكون العلم وتحليلاته المنطقية، هو فقط النشاط العقلي الوحيد، الذي لا نشاط سواه. (3) وعلى هذا فهم وضعيون؛ لأنهم يقصرون جهودهم على ما هو موضوع

Posited

في الواقع الحسي الخارجي، وهم مناطقة؛ لأنهم ينظرون إلى هذا الموضوع في الواقع الحسي من خلال منظور المنطق؛ إذ يصوبونه على العبارات التي يضعها العلماء في وصف هذا الواقع وشرحه، فيقومون بتحليلها تحليلا منطقيا، يجعلها أكثر دقة وأقل غموضا وأبعد عن الالتباس؛ هذا تبعا لأكثر الأسماء شيوعا، وأكثرها دلالة، والذي وضعه بلومبرج وفيجل عام 1931م، وإن كان قد أطلق عليها فيما بعد أسماء عدة مثل: «التجريبية المتسقة، والتجريبية المنطقية، والتجريبية العلمية، والوضعية المنطقية الحديثة»

2

وكلها - كما نرى - تدور في نفس المدار. (4) قد كانت فلسفة فتجنشتين، وبالتحديد الرسالة المنطقية الفلسفية، هي السبب المباشر في نشأة الدائرة، مضافا إليه المقدمات التاريخية،

3 ⋆

وتقدم العلوم الطبيعية من ناحية ثانية، وعنصر الإبداع والابتكار من ناحية ثالثة، كل هذه العوامل شكلت مجموعة الآراء التي نادت بها دائرة فيينا، والتي أصبحت تعرف فيما بعد باسم فلسفة الوضعية المنطقية، فما هي الخطوط العريضة لهذه الفلسفة؟ (1) فلسفة دائرة فيينا (1) على خلاف النهج المعهود في نشأة المذاهب الفلسفية، فإننا لا نجد أمامنا أستاذا نفذ ببصيرته وعبقريته الفردية إلى كنه الحقيقة، فاصطف من حوله التلاميذ ينصتون إليه في رهبة وخشوع بل هم جمع من الزملاء، معظمهم علماء طبيعة ورياضة، التفوا حول زميلهم موريتس شليك منذ عام 1922م، اختلفت آراؤهم، وتقاربت هاماتهم تقاربا شديدا، يتعاونون علميا لتحقيق غاية فلسفية واحدة، إذا طرح سؤال يتناولونه تناول الأنداد، بدلا من أن ينصتوا في رهبة لجواب أستاذهم، وقد تختلف الإجابات بل وتتناقض، ويحاول كل تنقيح إجابة زميله واكتشاف أخطائه، قد تختلف مشاربهم الفلسفية اختلافا شديدا يبلغ حد العداء الفلسفي لكنهم يتفقون على مبادئ أربعة هي الممثلة لدعائم مذهبهم الفلسفي، من اعتنقها كان وضعيا منطقيا، وإن اختلف معهم في أية مسألة أخرى أو حتى في كل المسائل الأخرى، أما من يرفض مبدأ واحدا منها لم يكن وضعيا منطقيا بحال.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٩٥