تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7 (3) إذن الموقف النقدي هو الأساس، بصفة أكثر شمولا يمكن أن نقول: إن فلسفة بوبر هي رد فعل للوضعية المنطقية، ولاكتساحها العاتي لبيئته الفلسفية، ولولا مذهب الوضعية المنطقية لما عرفنا اسم بوبر مقرونا بهذا اللقب الرائع الجميل «فيلسوف»، بل ولما عرفناه البتة ولظل مدرسا في المدارس الثانوية وفي الجامعات، كان بوبر قانعا بحياته كمدرس وسعيدا بها، يقرأ ويفكر ويدون ما وصل إليه من أفكار وانتقادات، ويواظب على متابعة الحركة الفلسفية والعلمية والفكرية؛ فقط لأنه مثل قلة وهبهم الله هذه الهبة الرائعة الجليلة؛ متعة تذوق الفكر والبحث العلمي، لكن الوضعية المنطقية هي علة كونه فيلسوفا محترفا، فقد ألح عليه طغيان المذهب طغيانا يأباه علميا وفلسفيا، وكان هذا الإباء هو الحافز المباشر والأول، وربما الأخير لإخراج «منطق الكشف العلمي» عام 1933م.

بل وأكثر من هذا، فإن الكتاب قد نشرته دائرة فيينا في سلسلة منشوراتها، ونظرا للعلاقة الشخصية بين بوبر والمذهب، فإن شليك وفرانك هما اللذان أعداه للنشر، ويقول بوبر: إنه لم يكن ينوي أبدا إصدار كتاب كامل؛ لأن إصدار الكتب مناقض لأسلوبه في الحياة، لولا أنه عرض بعضا من أفكاره على صديقه الوضعي هربرت فيجل، فأخبره بأنها ثورية وضرورية للنشر، ثم رحل فيجل إلى أمريكا وترك بوبر يفكر في إخراج كتاب، وكان صديقه هنري جومبريش يحذره من صعوبة هذا العمل، وأن نشر الأفكار الفلسفية، ومحاولة احتلال مكان بين الفلاسفة أمر في غاية الصعوبة، ووالده لا يريده أن يؤلف كتابا؛ مخافة أن ينتهي به المطاف إلى أن يصبح مجرد صحفي، أما زوجته فإنها تريده أن يقضي أوقات فراغه يمارس معها هوايتهما المفضلة؛ الانزلاق على الجليد وتسلق الجبال، لا في تأليف الكتاب،

8

لكن يبدو أن تأثير فيجل كان قويا فنشر بوبر الكتاب بمعاونة دائرة فيينا، فلاقى نجاحا كبيرا، فتح أمامه الطريق الفلسفي.

هكذا كانت الوضعية المنطقية هي الدافع شكلا وموضوعا، الذي دفع بوبر إلى التفلسف. (4) لكن موقف بوبر ليس سلبيا بحيث تحدد الوضعية إطار فكره، ثم يأتي هو يتلقى آراءها لينقدها، بل إن موقفه فعال لأقصى الدرجات، أولم نره يستشعر المسئولية إزاء انتهائها، فكتابه «منطق الكشف العلمي» المصبوب أساسا في صورة نقد للوضعية المنطقية، ناقشه بعض من أعضاء الدائرة قبل نشره،

9

ولم يملك الوضعي المنطقي كارل همبل إلا أن يقول عنه: «إنه عمل رائع ومثير، يتناول على وجه الخصوص البنية الاختبارية للنظريات العلمية بدرجة متقدمة إلى حد كبير.»

10

أثر بوبر كبير في نمو الدائرة وتطوراتها، خصوصا على كارناب - كما اعترف هو - في أكثر من موضع، وإذا كان المؤرخون يجمعون على أن فتجنشتين هو الأب الروحي للوضعية المنطقية التي تكاد تكون لازمة منطقية عن رسالته، فإن فيكتور كرافت يقول: «إن الوضعية تدين كثيرا لبوبر من أجل تطورات جوهرية طرأت على مبادئهم بسببه مما أكسبهم قوى من خارجهم بالإضافة إلى قواهم الخاصة، بحيث حل بوبر محل فتجنشتين في التأثير على الدائرة في إحدى مراحلها المتأخرة.»

11

أثر بوبر عليهم قويا حقا؛ فقد لاحظنا في نهاية الباب السابق تأثير نظريته المنهجية على كارل همبل مثلا، وسيبدو هذا الأثر أكثر حين عرض محاولات الوضعية لتمييز العلم، وهي المشكلة التي تشغل بوبر أساسا، إلا أن مضاهاة بوبر بفتجنشتين في التأثير عليهم مبالغة حقا، ولكنها رأي فيكتور على أية حال. (5) العلاقة بينهما تبادلية متشابكة معقدة، ولما كانت الدراسات المقارنة هي إحدى المناهج كان من الأجدى تطبيقها هنا بين بوبر والوضعية المنطقية.

12 ⋆

لذلك سنعرض فلسفة الوضعية المنطقية

13 ⋆

بصفة عامة، ثم نعرض معاييرها لتمييز العلم لنناقش رأي بوبر في هذا وذاك، ونعقب عليه بما نرى.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٩٤