تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولا: الفلسفة تحليلية

4 ⋆

التيار التحليلي من أهم تيارات الفلسفة المعاصرة، وقد امتاز عن سواه بأنه ثورة فلسفية في المنهج (أسلوب البحث) وأكثر ثورية في المذهب (مضمون البحث)، وترجع فاتحته إلى مقال كتبه جورج مور عام 1903م يقول فيه إن مشكلات الفلسفة تعود إلى أننا لا نتبين حقيقة السؤال الذي نجيب عليه، ولو حاولنا اكتشاف المعنى الدقيق للأسئلة فستختفي معظم المشاكل الفلسفية الخادعة. ويتألف التحليل عنده من ترجمة العبارة إلى أخرى أوضح، ولم ينفرد مور بقيادة الحركة، بل شاركه برتراند رسل الذي رأى أن التحليل هو رد العبارة إلى صيغ منطقية؛ لأن اللغة مضللة، أما الرائد الثالث فهو فتجنشتين الذي وجه العناية إلى الدراسة المنطقية للغة.

وإذا كان التحليل معروفا منذ القدم في الفلسفة، فإن التحليل المعاصر شيء مختلف تماما، ويتميز بخصائص أربع؛ الأولى هي قصر الاهتمام على اللغة ورد الفلسفة كلها إلى الدراسات اللغوية، ليس البتة بمعنى النحو والصرف، ولكن بمعنى البحث الفلسفي في دلالات الألفاظ «السيمانطيقا» من ناحية، وقواعد التركيب والبناء اللغوي من الناحية الأخرى. والخاصة الثانية هي تفتيت المشكلات الفلسفية بغرض معالجتها جزءا جزءا اقتداء بالعلم، ومناهضة للاتجاه الشمولي الهادف إلى بناء الأنساق الميتافيزيقية. والخاصة الثالثة هي الاقتصار على البحوث المعرفية. أما الرابعة فهي المعالجة البين-ذاتية، أي استخدام نوع من التحليل له معناه المشترك بين الذوات بمعنى قريب من الموضوعية.

هذه هي أسس الوضعية المنطقية بوصفها فلسفة تحليلية، بل وتحليلية بموقف أكثر جذرية من أي مذهب تحليلي آخر، لكنها أسس تنطبق على الوضعية مثلما تنطبق على تيارات تحليلية قد تختلف معها؛ لذلك لا بد أن نوضح بقية الأسس التي تشكل الوضعية وتميزها عن سواها.

ثانيا: الفلسفة علمية (أ)

لقد اتفقنا على أن البحوث الفلسفية مقتصرة على التحليل، باق أن نتفق على قصر هذا التحليل على العبارات العلمية، شريطة أن يكون تحليلا منطقيا. (ب)

فالفلسفة - وهي مهمتها التحديد - لم تحدد لنفسها مجالاتها، فأخذت تصول وتجول حيث تشاء، حتى ضاق بها الجيران، وأخذوا يطردونها من أراضيهم واحدا بعد الآخر، بادئين بالطبيعة منتهين بالاجتماع والنفس، ولم يبق أمامها إلا العلوم المعيارية والميتافيزيقا والمنطق.

أما العلوم المعيارية (= الأخلاق والجمال)، فما هي إلا عبارات وجدانية انفعالية، لا تزيد عن ضحكة الضاحك أو صرخة المتألم، فلا ترقى بالطبع إلى أن تكون علوما، أما الميتافيزيقا فما هي إلا جلبة أصوات بغير معنى، إذن لم يبق للفلسفة ميدان جدير بحق البقاء إلا المنطق، فعليها أن تتمسك به وتجعله شغلها الشاغل، والعقل البشري لم يعد ينشغل إلا بالبحوث العلمية، فإذا أرادت الفلسفة لنفسها البقاء، فما أمامها إلا سبيل واحد هو تطبيق منطقها على العلم، أي تجعل نفسها منطقا للعلم، أو فلسفة له، وبهذا تصبح الفلسفة علمية.

ثالثا: القضية إما تحليلية أو تركيبية (أ)

لقد كانت العلوم الرياضية - بما تنطوي عليه من ضرورة الصدق المطلق - تمثل عقبة كئودا في وجه التجريبيين، فمبدأ التجريبية الأساسي هو أية قضية مفهومة، ولها محتوى معرفي لا بد أن تكون قائمة على أساس الخبرة، لكن من الواضح أن العقل في الرياضة يستقل بنفسه عن التجربة، فتكون النتيجة قضايا يقينية الصدق. فبأي عقل، وبأي منطق نفضل عن هذا المنهج المستقل عن التجربة - أي منهج الرياضة الذي تقتفي خطاه الميتافيزيقا - منهجا آخر يعتمد على التجربة، فتجيء نتائجه وهي العلوم الطبيعية، في قضايا احتمالية الصدق، والواقع أن التجريبيين لم يكونوا جميعا بجرأة مل وصلابته التجريبية، حتى يزعموا معه أن قضايا الرياضة ما هي إلا تعميمات تجريبية،

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٩٦