تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الباب الثاني

| موقف بوبر من الوضعية المنطقية ومعاييرها لتمييز العلم

| تمهيد

(1) انتهى الباب السابق من إسقاط المعيار الشائع لتمييز العلم؛ أي المنهج الاستقرائي، غير أن هذه النظرية العتيقة ليست هي المحاولة الوحيدة، فهناك محاولات أخرى أجل شأنا وأعظم خطرا، فلو كان هذا العصر قد لقب «بعصر التحليل» فإننا الآن بإزاء معايير مذهب من أخطر مذاهب هذه الفلسفة التحليلية من جهة، والفلسفة العلمية من الجهة الأخرى، أعني مذهب الوضعية المنطقية «الولد القلقال المقلاق المثير للمتاعب في الفلسفة المعاصرة.»

1 (2) والتعرض لهذا المذهب ذو أهمية قصوى لموضوعنا، فلو عدنا مثلا لسلسلة عبقريات العقاد - باستثناء عبقريتي النبيين محمد وعيسى - لوجدناها دائما تحوي فصلا يحرص عليه العقاد ويسميه: مفتاح الشخصية، يحاول فيه الاهتداء إلى مدخل إذا دخلنا منه تفتحت أمامنا مغاليق العبقرية «عمر: العدل، أبو بكر: الصدق، خالد: الجندية ... وهكذا» ويبدو هذا الفصل وكأنه الهدف المروم من الترجمة بأسرها.

والواقع أنه مناط الابتكار والإبداع في العبقريات - إن كان فيها إبداع - وبغيره ما كان للعقاد أن يقدم جديدا يعيننا على فهم الشخصية.

أما الآن فيمكن أن نقول ببساطة: إن مذهب الوضعية المنطقية هو مفتاح الشخصية الفلسفية لبوبر؛ فقد قال فيكتور كرافت - عضو الدائرة

2 ⋆

ومؤرخها: إن أعمال بوبر لا يمكن أن تفهم فهما تأصيليا

genetically

بغير الإشارة إلى دائرة فيينا التي هي ذات أهمية عظمى في تطوره الفلسفي،

3

وقد أوضح بوبر أن عمل كارناب «التركيب المنطقي للغة» قد شكل بداية ثورة في تفكيره الفلسفي،

4

وكان بوبر على علاقة شخصية بأعضاء الدائرة كارناب وفيجل وفيزمان ومنجر وجودل وفيكتور كرافت وإدجار تسيلزل.

والوضعية ليست المفتاح فحسب، فتوضيح المفكر في إطار عصره شيء ضروري، والوضعية المنطقية هي الإطار بالنسبة لبوبر، فازدهارها وسيطرتها على المناخ الفكري والفلسفي كان مواكبا زمانيا ومكانيا لنشأة بوبر الفلسفية في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن، في جامعة فيينا، بل ولاحقته هذه السيطرة إلى إنجلترا حين هاجر إليها، وكان من جراء هذا أن المشاكل التي شغلت كليهما متشابهة إلى حد كبير؛ مشكلة معيار العلم ومنهجه، مشكلة أسس المعرفة التجريبية، والأهم أن كليهما فيلسوف علم وداعية فلسفة علمية، ينطلق من نفس المنطلق التجريبي، وإن كانت انطلاقاتهما التجريبية، وطرق إحاطتهما بالمشاكل مختلفة إلى حد كبير، وأيضا من نقاط الالتقاء القول بوحدة المنهج بين العلوم الطبيعية والإنسانية، لكن الوضعيين ينادون بالوحدة؛ لأن الاستقراء هو منهج العلم الواحد والوحيد، سواء طبيعي أو إنساني، أما بوبر فينادي بالوحدة على أساس «م1

أ أ

ح ح

م2» التي تعني وحدة البناء المعرفي وتماثل أسلوب حلقاته، وأن منهج العلم ليس خاصا به ... إلخ؛ أساسا الدعوتين بوحدة المنهج متناقضان.

على العموم، فإن تواكبهما الزماني والمكاني، وانشغالهما بمشاكل متشابهة، قد أدى إلى انتشار خطأ كبير هو أن «بوبر وضعي منطقي، أو على أحسن الفروض وضعي منشق يحل القابلية للتكذيب محل القابلية للتحقيق.»

5

إلا أن العكس تماما هو الصحيح، لم يكن بوبر أبدا وضعيا بأية صورة من الصور، لا منطقية ولا غير منطقية، بل وإن عضو الجماعة، العالم الاقتصادي الكبير أوتو نيوراث

Otto Neurath

يلقبه - على سبيل المزاح - ب «المعارض الرسمي».

6

ذلك لأن موقف بوبر من الجماعة هو الموقف النقدي، موقف الهجوم الرافض، ولم يفكر في تأليف الكتب وإخراج أول أعماله «منطق الكشف العلمي» إلا من أجل نقدهم وتبيان أخطائهم أولا وقبل كل شيء، وكان حضوره لبعض من الاجتماعات الفرعية للدائرة في منزل العضو إدجار تسيلزل، ليلقي عليهم محاضرة هي نقد لهم، وأكثر من ذلك فإن المؤرخ جون باسمور يطرح تساؤلا: من الذي قضى على الوضعية المنطقية؟ وبوبر يخشى أن يكون هو المسئول.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٩٣