54
ثم يوضح ديورانت أن بيكون نفسه قد توقع الاستغناء عن طريقته، وأن مزاولة العلم بطريقة «علمية» ستؤدي إلى اكتشاف وسائل أفضل في البحث من طريقته التي توصل إليها خلال فترات راحته وابتعاده قليلا عن مشاغل السياسة.
55
ولنأخذ مثالا أوقع من ديورانت، مثالا من المعسكر المخالف تماما لبوبر، أي الوضعية المنطقية؛ فقد أكد الوضعي المنطقي كارل همبل أن الفرض يسبق الرجوع إلى الوقائع، وأن هناك إجابة تجريبية عن المشكلة يضمرها الباحث في صورة تخمين أو فرض، وهي التي تحدد أنواع المعطيات التجريبية التي ينبغي جمعها، وهذه المعطيات قد تؤيد الإجابة التمهيدية - أي الفرض - وقد تفنده،
56
بل وقد بلغت بوبرية همبل إلى أن انتهى قائلا: ليست هناك إذن قواعد استقرائية عامة يمكن تطبيقها، تلك القواعد التي يمكن بواسطتها أن نستنتج الفروض والنظريات من المعطيات التجريبية يحتاج الانتقال من المعطى إلى النظرية إلى خيال مبدع؛ فالفروض والنظريات العلمية لا تستنتج من المعطيات الملاحظة، ولكن تخترع الفروض لتفسيرها.
57
ليس هذا فحسب، بل وينصح همبل العالم الشاب بنفس ما نصحه به بوبر، أي بضرورة الإلمام بموقف المشكلة ومعرفة كل ما قيل، أو تصادم سبق؛ مخافة أن يضيع جهدا في نظرية وضعت من قبل، أو تصادم نظريات مأخوذا بها في الموقف العلمي، وبعد أن يعيب همبل ما في الاستقراء من آلية، لا يبدو معها أي مبرر لأن تبقى مشكلة علمية واحدة بغير حل، ما دام استقراء وقائعها ممكنا، ويؤكد على أهمية عنصر الخيال، يطرح احتمال أن يؤثر عنصر الخيال على موضوعية العلم، ويوضح أن الاختبار النقدي هو الذي يضمن الموضوعية،
58
فيذهب إلى نفس ما ذهب إليه بوبر من أن منهج العلم هو أسلوب الاختبار، أي هو المنهج الاستنباطي، والذي يزيده همبل هو توضيح أن هذه الصورة المنهجية إنما تسري أيضا على العلم الرياضي،
59
فهو أيضا تحتاج في حل مشاكله إلى خيال خلاق كي يطرح الفرض، ثم يختبره، وبعد، فقد أكد همبل صراحة على تأثره الشديد بنظرية بوبر المنهجية، وبكتابه «منطق الكشف العلمي». (2) ليس من الضروري أن نلجأ إلى النظريات المنهجية، التي تطابق نظرية بوبر كي تعضده؛ إذ إن المسلم به اليوم هو استحالة أن يكون الاستقراء هو المنهج للعلوم الطبيعية البحتة الآن، ومن المسلم به أيضا أن المنهج هو المنهج الفرضي الاستنباطي،
60
وهو منهج تماثل صورته العامة الصورة العامة لمنهج بوبر.
والمنهج الفرضي الاستنباطي
Hypothetico Deductive Method .
يبدأ بفرض صوري عام، يستحيل أن يشتق من الخبرة أو أن يخضع هو نفسه لتحقيق المباشر، فيلجأ الباحث إلى منهج الاستنباط، كي يستنبط منطقيا ورياضيا النتائج الجزئية التي تلزم عنه، وهنا يلجأ الباحث إلى التجريب، فيقابل بين هذه النتائج وبين وقائع التجريب، إن اتفقت معها ثم التسليم المؤقت بالفرض، وإن لم تتفق تم تعديله أو الاستغناء عنه والالتجاء إلى غيره، مع ملاحظة أن مصدر هذا الفرض الصوري لا يعنينا، قد يأتي به العالم من الحصيلة المعرفية أو من الوقائع التجريبية، أو من عبقريته الخلاقة التي هي أساسية بالنسبة لأي مصدر، تحديد المصدر المعين مستحيل.
والجدير بالذكر أن الباحثين يؤكدون أن هذا هو منهج العلوم البحتة في كل مراحلها، فيبذلون جهودا شبيهة بجهود بوبر ليثبتوا أن هذا هو المنهج الذي اتبعه نيوتن وليس الاستقراء كما تصور.
61
وأهم ما يميز هذا المنهج أن عموده الفقري هو استخدام اللغة الرياضية ومعادلاتها، بل وإن الاستدلال الرياضي أهم فيه من وقائع التجريب الملاحظة؛ إذ إن الفرض فيه لا يحكم وقائع، بل قوانين وعلاقاتها ببعضها.
ونظرا لأن النظرية المنهجية التقليدية، كانت تقوم على التقابل بين الاستقراء والاستنباط تقابل العلوم الطبيعية مع العلوم الصورية، كان علينا الآن أن نودع هذه النظرية التقليدية وإلى غير رجعة.