50
وأخيرا، فإن أقيم الدراسات العربية التي خرجت على أساس من إدراك قصور الاستقراء، واستحالة أن يكون منهجا للعلم، دراسة الدكتور ياسين خليل «منطق المعرفة العلمية» فقد رأى دكتور ياسين أن فكرة الاستقراء غير مرضية إطلاقا خصوصا بالنسبة للعلوم الدقيقة، وأن الشروط التي يجب توافرها في الفرضية الميثودولوجية المناسبة لا تتوافر في فكرة الاستقراء.
51
وهو يناقش أولا: ما المقصود بالاستقراء، أو بأن العبارة مشتقة من التجربة بواسطة الاستقراء؟ ويرى أنه لو كان المقصود هو أن الأفكار والمبادئ العلمية مجردات توصلنا إليها بالتجريد والتعميم، وأن الاستقراء طريقة نهتدي بها للوصول إلى الأفكار والمبادئ، فإن الدكتور ياسين يعترض على ذلك بأنه سيؤدي إلى الاعتقاد بوجود طريقة ثابتة تتألف من خطوات تبدأ بمشاهدة الوقائع لتصل بعد اجتياز مراحل معينة إلى الأفكار والمبادئ العامة كما أوضح الجزء الخاص بخطوات الاستقراء، وإذا عبرنا عن العملية بأجمعها بمنحنى بياني، فإن هذا المنحنى سيكون التعبير التام عن الفكرة، ولا يوجد أي منحنى آخر غيره، ولكننا في العلم قد نصل إلى أفكار مختلفة، على الرغم من صلتها جميعا بالواقع، وقد تختلف النظريات العلمية في الأفكار والمبادئ والفرضيات، ولكنها تتفق في النتائج، وفي تعليل الظواهر، وهذا يدل على قصور الاستقراء، ومن ناحية أخرى على إمكانية استحداث أفكار ومبادئ كثيرة دون الالتزام بمنهج واحد أو بمنحنى واحد،
52
هذا نفس ما يعنيه بوبر باستحالة تحديد خطوات صارمة لمنهج محدد.
وقد أوضح الدكتور ياسين خليل أن الاستقراء يرجع في أساسه إلى التجريبيين المتطرفين الذين بدءوا في الوقت الذي انتهى فيه العالم من صياغة نظريته، ليدعوا سلفا أن الطريقة التي اتبعها هي مبدأ ارتضوه مسبقا أي الاستقراء، في حين أن الأمر ليس كذلك.
ولإثبات أن الأمر ليس كذلك، أكد الدكتور ياسين أولا أن المفاهيم العلمية لا تتقيد في تشكيلها بالاستقراء، وأنها من خلق العقل، في سبيل فهم أوسع لوقائع العالم الخارجي، وأن المفاهيم والمبادئ العلمية ذات طبيعة استدلالية وليست استقرائية، وأكد ثانيا أن العالم قد يستند إلى عدد قليل جدا من المشاهدات أو تجربة واحدة، يكون بها عدد كبير من الأفكار والفرضيات التي قد تكون مختلفة، ولا يمكن تصور العالم وقد انهمك باستقراء الحالات الجزئية لينتقل بخطوات منطقية نحو بناء نظرية عامة؛ لأن هذا العمل لا يحقق غاية العلم مطلقا وهي الاقتصار على أقل عدد ممكن من المبادئ لتفسير العالم، ولكل هذا كان الاستقراء غير ممكن من الوجهتين العملية والمنطقية.
53
وبعد يؤكد د. ياسين على قوة الرياضة، وقدرة المناهج الاستنباطية على التعامل الأمثل مع النظرية العلمية - كما أكد بوبر على أن منهج العلم استنباطي - وأن تقدم العلوم إنما يعتمد على هذا، وليس على تجميع وقائع مستقرأة.
تكفي هذه الأمثلة، فلن ننتهي من عملية المسح التأريخي للمفكرين الذين أحسوا بخرافية الاستقراء، أو على الأقل قصوره، من الناحية الأخرى، نجد رأي بوبر ليس في حاجة إلى تعضيد، كل ما في الأمر أن بوبر ليس أول من نوه إلى خرافية الاستقراء، لكن هو أول من أيقنوا هذا، فخصصوا لإثباته مساحة كبيرة من أبحاثهم، هو أول من قاله بحسم قاطع ووضوح ناصع؛ لأنه أول من استطاع التحرر بالمعنى المطلق التام من هذا الوثن الكاذب، ونرجو أن يكون الأخير، كي يغلق تماما ملف خرافة الاستقراء كاسم وكمسمى. (4) تعقيب على نظرية بوبر المنهجية (1) رأينا ول ديورانت يرفض الاستقراء، ويقول بمنهج مشابه لمنهج بوبر، وقد أعطى مثالا مصداقا لما يقوله بوبر، وهو دارون؛ فقد استنبط من نظرية مالتوس عن السكان، تطبيقها على جميع الأجسام الحية، مما سيؤدي إلى صراع على وسائل الطعام والغذاء من أجل التعايش، يكون البقاء فيه للأصلح، وبعد ذلك اتجه إلى الطبيعة وأجرى بحوثه التي استمرت عشرين عاما، ويعطي ديورانت مثالا آخر: آينشتين، فقد أخذ عن نيوتن الافتراض بأن الضوء يسير في خطوط منحنية وليست مستقيمة، واستدل بذلك على النتيجة أن النجم الذي يبدو على أساس نظرية الخطوط المستقيمة بأنه في مكان بعيد في السماء، يكون في الحقيقة بعيدا قليلا إلى جانب ذلك المكان، ثم أجرى التجربة والملاحظة ليفحص النتيجة.