تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكي نستأصل شأفة الاستقراء تماما، لا بد من الانتباه إلى أن ما نعنيه به هو: منهج البدء بالملاحظة، والمصطلح - شأن معظم المصطلحات الفلسفية - ليس قاطعا جامعا مانعا، بل وإن «البحث عن معنى لمصطلح «الاستقراء» كان ملهاة فلسفية لأكثر من مائة عام، وكان صمويل نايل

Sammuel Niel

يرى أن الاستقراء محصور في عملية اختبار الحدس الافتراضي العلمي المسبق، وهذا نفس ما عناه بيرس حين قال: إنه يسمي عملية اختبار الفروض بواسطة التجارب؛ بالاستقراء.»

41 ،

42 ⋆

وبالطبع فإن هذا هو نفس ما يعنيه بوبر تماما باللااستقراء، وبأن الاستقراء خرافة، إن ما يجب أن نرفضه الآن هو اعتبار قوانين العلم أو قوانين البناء المعرفي في أية مرحلة من مراحله، محض تعميمات للخبرة، وهذا الرفض أصبح الآن محصلة منطقية ضرورية، بناء على الآتي: (أ)

أثبت بوبر الاستحالة التامة للبدء بالملاحظة ثم تعميمها، بل أكد العكس تماما، أن الفرض سابق على الملاحظة التجريبية؛ ومن ثم ليس مستقرأ منها إطلاقا. (ب)

ثم أكد أن الباحث يبحث في الوقائع التجريبية عن النفي لا الإثبات؛ ونظرا للاتماثل المنطقي بين النفي والإثبات، نجد المنزلة المنطقية لهذا تناقض تماما المنزلة المنطقية للاستقراء. (6) تقريبا لا يوجد أحد من المفكرين النابهين، إلا وأحس بقصور خرافة الاستقراء، وقد أعطانا بوبر أمثلة كثيرة في نهاية فصل الاستقراء خرافة، ويمكن أن نطرح أمثلة أكثر، ويكفي أن العالم التجريبي الحاصل على جائزة نوبل؛ سير بيتر ميدوار، قد أكد أن «الاستقراء الذي انشغل به هيوم، لا بد أن يكون محض خرافة.»

43

ويؤكد الفنان الشاعر والعالم الرياضي والباحث الفلسفي النابه ج. برونوفسكي

J. Bronoviskt (1908م-؟) هذا؛ إذ يقول: «ما زال يسود نظرياتهم - أي نظريات فلاسفة العلم - الاعتقاد بأن العلم جمع تراكمي للوقائع، وأن التعميم ينمو بذاته من تكديس أمثلة منفردة في مجال واحد ضيق، وهم يظنون أن العالم يقتنع بأن الضوء يصل إلى العين في كميات متلاحقة؛ لأن هذا العالم يجري تجربة ويكررها لكي يتأكد، ولكن هذا للأسف الشديد ليس على الإطلاق ما يفعله العالم، إنه بالفعل قد يكرر التجربة مرتين أو ثلاثا، إذا كانت نتيجتها تصدمه بغرابته، ومخالفتها لما هو متوقع.»

44

أي هناك توقع سالف، ننتظر على أساسه نتيجة التجربة، ويؤكد برونوفسكي الموقف أكثر بأن ينفي عن التكرار أية شبهة استقرائية.

45 ⋆

ويؤكد د. عبد الرحمن بدوي في «مدخل جديد للفلسفة» أن عصب المنهج التجريبي هو الفكرة،

46

وأن الفكرة تكون بالنسبة للمجرب نوعا من الاستباق

Anticipation ، وأنه إذا ما نبتت الفكرة يمكن فقط أن نقرر كيف ينبغي إخضاعها لتعليمات محددة وقواعد منطقية دقيقة، ليس في وسع أي مجرب أن ينحرف عنها، لكن ظهورها كان تلقائيا تماما، وطبيعتها فردية

47

لا استقرائية، ثم عاد دكتور عبد الرحمن بدوي في «مناهج البحث العلمي» ليؤكد ذلك قائلا: «إن الباحث يجب أن يكون لديه فكرة سابقة يحاول بها أن يحدد المضمون الذي يستخلص من الوقائع المشاهدة، أما أن يكون خاليا من كل فكرة سابقة، فهذا ما لا يمكن أن يؤدي به إطلاقا إلى وضع أي فرض.»

48

ويقول ول ديورانت - ذو العقلية الموسوعية الجبارة: «هل طريقة بيكون الاستقرائية صحيحة؟ وهل هي أكثر الوسائل التي استخدمها العلم فائدة؟ والجواب: كلا، لم يستخدم العلم جميع المعلومات بطريقة بيكون المعقدة، ولكن العلم استخدم وحصل على أفضل النتائج من الطريقة الأسهل، وهي الافتراض والاستدلال والتجربة.»

49

ولنأخذ مثالا أشد سطوعا، واحدا من أئمة الدراسات المنهجية في العصر الذهبي للاستقراء، ألا وهو كلود برنار؛ فقد أكد أن الفكرة سابقة على إجراء التجارب، فهي تتولد من الحدس أو العاطفة أو العقل، ثم تأتي لتتقدم بالخطوة التجريبية الأولى؛ إذ نصمم التجربة على أساسها لنختبرها.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٩٠