تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى بفرض إمكانية هذا الاستنتاج، فإنه بالضرورة ذو طابع مجرد، يعطي قدرا من المعلومات، أقل مما يبدو أنه معطيه لو استخدمت اللغة العادية.

35

وبمناقشة هذه العناصر انتهى رسل إلى أنها لم تحل، وغير قابلة للحل تقريبا، وقد سد رسل الطريق على أية محاولة للحل بأن قال: «لقد استشاط الفلاسفة غضبا، وابتكروا نقضا لآراء هيوم وقد قبل هذا النقد بسبب غموضه البالغ، والحق أن الفلاسفة قد حرصوا زمنا طويلا على أن يكونوا غير مفهومين، ولو لم يفعلوا لاستطاع كل امرئ أن يتبين خطأهم على الرد على هيوم، وأنه من السهل أن نبتكر ميتافيزيقا نخلص منها إلى سلامة الاستقراء، وقد فعل ذلك كثيرون لكنهم لم يقدموا أي مبرر للإيمان بميتافيزيقاهم إلا كونها ميتافيزيقا ممتعة.»

36

غير أن بوبر لم يبرر الموقف بميتافيزيقا ممتعة، كما فعل وايتهد مثلا، بل بحذف الوجهين الأول والثاني من أوجه قصور الأسس العقلانية للعلم، أما الوجه الثالث فسيعالجه باب التكذيب، وبعد كل هذا يصرون على مجادلة بوبر، والتشبث بخرافة الاستقراء. (5) والحق أن الاستقراء من أعجب الخرافات قاطبة التي هيمنت على عقول البشر، البشر وهي الأعجب لأنها حلت بأكثر الميادين عقلانية؛ فلسفة العلم! ولا بد أن نطرح التساؤل الآتي: كيف ولماذا هيمنت أتفه الخرافات؛ الاستقراء، على أعظم الميادين؛ فلسفة العلم؟

من أبرز الدراسات التي أجريت لتبرير الاستقراء؛ دراسة جول لاشيليه

37 ⋆ (1832-1918م) وهي رسالة للدكتوراه بعنوان «في أساس الاستقراء» سنة 1871م انتهى منها إلى أن إمكان الاستقراء يقوم على أساس مبدأ مزدوج، هو مبدأ العلل الفاعلة ومبدأ العلل الغائية، والأول يقول: إن الظواهر تكون سلاسل، فيها وجود السابق يعين وجود اللاحق، والثاني يقول: إن هذه السلاسل تكون بدورها نظما

Systems

فيها فكرة الكل تعين أو تحدد وجود الأجزاء، ومبدأ العلل الفاعلة متصل بالحتمية الفيزيقية، ومبدأ الغائية متصل بالفسيولوجيا،

38

ولكن لما كنا قد تيقنا - في العلم الحديث - من أن فكرة الغائية وفكرة الحتمية خرافتان، وجب أن نتيقن أكثر من أن الاستقراء خرافة.

ورغم أننا استخلصنا من رأي جول لاشيليه تعضيدا لبوبر، فإن هذا الرأي ليس سليما تماما؛ فالباحثون لم يتمسكوا بخرافة الاستقراء على أساس العلية والغائية، بل على أساس تاريخي محض، مؤاده أنهم أرادوا العزوف عن التجريد والتفكير النظري العقيم الذي ساد حتى القرن السادس عشر، وأرادوا الانقلاب على أسلوب التفكير الذي يبدأ من التسليم بمقدمة كلية، ثم استخدام العقل الخالص في الأقيسة الأرسطية التي تستنبط منها ما يلزم عنها، وكأن الوجود لا يحوي إلا محتويات الكتب والصحائف، وليس في طبيعة متأججة حية، وكيف يكون الانقلاب؟ يكون بالسير في الطريق العكسي تماما، حتى قيل: إن «البدء بالملاحظة كان الأساس العام للثورة على المنطق القديم.»

39

إنه رد الفعل المساوي في المقدار والمعاكس في الاتجاه، والذي جعل تطرف العصر الوسيط في المنهج العقلي الخالص - أي الاستنباط - يتمخض عنه تطرف العصر الحديث في المنهج التجريبي الخالص - أي الاستقراء - الملاحظة ثم التعميم، فأصبح استقراء وقائع التجريب هو نقطة البدء والطريق إلى كل كسب معرفي جديد.

40 ⋆

ولما كان التجريب هو سر تقدم العلم ولا جدال ... أعمت الرغبة في الثورة على منطق أرسطو بصيرة الباحثين، فراحوا يؤكدون أن الملاحظة هي نقطة البدء في البحث، وأساس مساره حتى نصل إلى نتيجة، غير مبالين بما أوضحه هيوم، وحينما نشأت فلسفة العلم الطبيعي تسلمت أسسها من تراث الفكر الإبستمولوجي التجريبي، ولما كان تراثا مثقلا بهذا، شاع فيها الخطأ الكبير، خطأ اعتبار الاستقراء مرادفا للمنهج التجريبي، ومقابلا تماما للاستنباط، منهج العلوم الصورية، حقا أن فلسفة العلم الطبيعي، بتطورها الحالي تسلم بأن الاستقراء ليس هو المنهج المتبع في العوم البحتة، وأن منهجها هو المنهج الفرضي الاستنباطي، غير أن هذه النظرة لم تصف بعد، وما زالت الأشباح الاستقرائية تحل بمنطقة أو بأخرى من فلسفة العلم مثل العلوم الوصفية أو التمهيدية أو المراحل التاريخية السابقة للعلوم البحتة، أو بخطوة أو بأخرى من خطوات المنهج الفرضي الاستنباطي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٨٩