تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أين أتينا بهذا الافتراض، من نزوع العقل الإنساني نحو افتراض التماثل، خرجنا به إلى عالم التشريح، وأوضحت نتائج اختباره أنه ملائم، وما به من أخطاء صححناها، والنتيجة أن لدينا الآن فكرة علمية عن تشريح هذه الحشرة، ونحن عالمون أن المستقبل يحمل تطويرا وتمكينا أكثر لأدوات التشريح، ونحن في انتظار هذا المستقبل لنحصل على صورة أدق لتشريح هذه الحشرة، أي صورة أقرب إلى الصدق.

الاستقراء خرافة في العلوم البحتة، وهو أيضا خرافة في العلوم الوصفية، وفي كل علم وكل مجال الفارق بينهما - الذي غاب عن بيرنايز وكيرك - هو أن العلوم الوصفية تلجأ إلى التجريب في النتائج المباشرة والسطحية للفروض العامة، أما في العلوم البحتة فنلجأ إلى التجريب في النتائج البعيدة المستنبطة استنباطا منطقيا ورياضيا من الفروض الصورية، وفي كلا العلمين التعديل في الوصول إلى الفروض - وكل علم محض فروض - على العقل الخلاق، وتقوم التجارب بدور الاختبار، ولا وقائع مستقرأة البتة.

وليس من المجدي الاستمرار أكثر في مثل هذه المناقشات.

30

ومن يدرس أعمال بوبر بإتقان ونزاهة، لا بد حتما أن ينتهي في النهاية إلى التحرج من التفوه بلفظ الاستقراء، هل كانت البشرية في حاجة إلى انتظار بوبر كي تتيقن من خرافية الاستقراء؟ إن هذا لأمر غريب حقا، كيف قفز إلى الأذهان تصور كل هذه القوى الخلاقة لمحض وقائع الحس للحيوان حواس أقوى - أحيانا أكثر من مائة مرة - من حواس الإنسان، فلماذا لم يستقرئ الوقائع بدقة، ويبني علوما ولو حتى وصفية فقط؟ الجواب بديهي: لأنه يفتقر إلى العقل المبدع الخلاق الذي يطرح الفروض التي تمكنه من الدخول المنهجي المنظم لعالم الوقائع الحسية، دخولا يخرج منه بنتيجة قد تكون تصحيحا لافتراضه المسبق، وقد تكون الإبقاء المؤقت عليه، وينطلق من هذه النتيجة إلى جولة جديدة ...

للحيوان لغة تواصل: وبالقطع أقصى استخدام لها هو الإشارة إلى وقائع الاستقراء، فلماذا لم يخرج من هذه الوقائع بقانون علمي واحد، هذا بينما نجد نموذجا صارخا، هو العالم الطبيعي فرانسس هوبر

Francios Huber

31 ⋆

فقد ترك تجارب وأبحاث علمية جديرة بالإعجاب حقا، على الرغم من كفاف بصره؛ إذ كان يتصور هذه التجارب ثم يعهد بتنفيذها إلى خادمه، الذي كان خالي الذهن من أية فكرة علمية.

فكان هوبر إذن الذهن المدبر الذي ينشئ التجارب ويديرها، لكنه كان مضطرا لاستعارة حواس شخص غيره، وكان الخادم يقوم بعمل الحواس المنفعلة التي تطيع العقل لتحقيق التجربة المنشأة تبعا لفكرة سابقة،

32

أوليس في هذا الدليل الساطع على استحالة أن يكون استقراء وقائع الحس هو المنطلق الذي انبثق منه هذا البناء العلمي الشامخ.

كلا، ليس للاستقراء أي دور في حياة الإنسان؛ لأن الإنسان لم يكن أبدا في أي طور من أطواره - حتى أشدها بدائية - محض آلة تستقرئ وقائع الحس فتعممها. (4) يقول فرانك رامزي:

33 ⋆ «حقا أن أحدا إذا لم يكتسب العادة الاستقرائية، فلن نستطيع أن نثبت له أنه على خطأ، غير أننا لا نجد شيئا معينا في هذا؛ لأن أحدا إذا تشكك في ذاكرته أو في إدراكه الحسي، فإننا لا نستطيع أن نثبت له أنهما جديران بالتصديق، البحث عن إثبات شيء كهذا، هو الصراخ توسلا للقمر، والمثل تماما صحيح بالنسبة للاستقراء.»

34

لقد قال رامزي تماما عكس ما ينبغي أن يقال، وهو أن أحدا إذا اكتسب العادة الاستقرائية - جدلا - فإننا بالقطع مستطيعون أن نثبت له أنه على خطأ، وأن هذه العادة لا تعطيه أكثر من قصور أسس العلم العقلانية، وقد حصر رسل أوجه القصور هذه في ثلاثة عناصر رئيسية: (1)

الشك في صحة الاستقراء. (2)

صعوبة استنتاج ما لا يقع في تجربتنا، قياسا على ما قد وقع فيها «مشكلة الاستقراء». (3)

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٨٨