25
إذن الحكم بأن هيوم ضائع جملة وتفصيلا في غمار هذه النزعة النفسية، ليس من كشف بوبر بل هو معروف منذ أكثر من مائتي عام، الجديد الذي أتى به بوبر هو الجزئيات التي أكد بها هذا الحكم، ثم الشواهد من العلم الحديث، التي تؤكد أن هيوم على خطأ، وأن أبحاثه غير ذات قيمة، حتى بالنسبة للنزعة النفسية. (2) أما عن حل بوبر للمشكلة، فهو اعتمد كثيرا على براعته المنطقية، فاستخدامها في صب المشكلة على صورة نخرج منها بمنطق للعلم لا أثر فيه لاستقراء البتة، وربما كانت هذه الفكرة في ذهن بوبر قبل أن يحاول حل المشكلة، إنها افتراضه الحدسي ونزوعه الفلسفي المسبق الذي كان في ذهنه ففسر على ضوئه الملاحظات الفلسفية، إن جاز لنا أن نستخدم مصطلحاته، لقد زعم بوبر أنه سيعيد صياغة النظرية كي تصبح موضوعية، غير أن «الموضوعية» لم تكن هدفه الحقيقي من إعادة الصياغة، بل كان هدفه هو أن يطرح التساؤل حول ما إذا كان هناك استقراء فعلا أم لا؛ وذلك كي يجيب بلا فيخلصنا من الاستقراء ومن مشكلته معا، إنه حل ينطبق عليه المثل الدارج «حل العقدة بالمنشار» أي تخلص منها نهائيا، «وبأسلوب لا يسمح لها بأن تقوم.»
26
لذلك لا جدوى من مناقشة الحل في حد ذاته، بل ينبغي أن نناقش الفكرة الأساسية والتي لا يعدو هذا الحل سوى أن يكون ظلا لها، بل وفلسفة بوبر المنهجية بأسرها ظلا لها، أي فكرة خرافية الاستقراء.
هل يمكن أن نوافق بوبر على أن الواقع لا يحوي شيئا اسمه الاستقراء البتة؟ (3) قامت الدنيا وقعدت بسبب هذه الدعوة من بوبر، خصوصا في الثلاثينيات والعشرينيات من هذا القرن، وأثارت ردود أفعال لا حصر لها، غالبيتها إما منبعثة من الإيمان الدوجماطيقي بالاستقراء الذي لا يطيق أدنى تشكيك فيه، مثل ردود استراوسون ورايشنباخ، وإما منبعثة من الثورة على شخص بوبر؛ لأنه أوتي من الجرأة حدا بحيث يشكك في فكرة بمثل هذا الرسوخ كردود جيوفري وأرنوك.
وأقيم المناقشات في هذا الصدد هي مناقشة ب. بيرنايز، التي تتلخص في أن دعوى بوبر صادقة في حدود العلم البحت فقط،
27 ⋆
إذ يجب التمييز بين فرعين: العلوم الوصفية والعلوم البحتة، العلوم الوصفية تسير بلا مشاكل، أي بغير التزام بتقديم عالم جديد من المفاهيم والمقولات، والعلوم التجريبية الوصفية تبدأ من الملاحظات، فهي جمع وترتيب للخبرات؛ ذلك لأننا نستطيع الإقرار بالوظيفة الإبستمولوجية الأساسية للمدركات في العلوم التجريبية الوصفية، بغير الوقوع في النزعة السيكولوجية
Psychologism
طالما لا نشير إلى الدركات بوصفها حقائق، بل نشير إلى استعمالاتها.
28
أي يرى بيرنايز أن الاستقراء بمعناه الحرفي، أي جمع الوقائع التجريبية وتعميمها، هو منهج العلوم الوصفية، دون العلوم البحتة، وأنه ليست هناك مشاكل منطقية مثل الوقوع في النزعة السيكولوجية، تجعل بوبر ينفي الاستقراء عن العلوم الوصفية تفاديا لها.
وشبيه بهذا نقد ح. س. كيرك، وخلاصته أن بوبر تجاهل المرحلة التمهيدية الأساسية من إجراء الملاحظات (يمكن القول: إن المرحلة التمهيدية تناظر العلوم الوصفية) وهي - في نظر كيرك - تشييد بناء معقد من الخبرات، تخرج منه الحدوس والنظريات الكلية بطريقة استقرائية إلى حد ما، تجاهلها بوبر وركز فقط على المرحلة الثانية، التي يخرج منها ذلك الحدس البديهي الذي قوض بوبر به الاستقراء، «ولكن تجاهله للمرحلة التمهيدية الاستقرائية، والتي هي حيوية للتنظير العلمي، تجعله لم يطوق بالفعل مشكلة الاستقراء كما تصور.»
29
لكن لا بيرنايز ولا كيرك أصابا، ذلك أن بوبر لم ينكر الدور الأساسي الاستقرائي للملاحظات تفاديا للنزعة السيكولوجية كما تصور بيرنانز، بل نكرها إقرارا لحقيقة الأمر التي أثبتتها البحوث السيكولوجية، من أسبقية التوقع على الملاحظة الحسية؛ لذلك فهو لم يتجاهلها ويقفز مباشرة إلى الفرض كما تصور كيرك، بل فقط سبق الفرض عليها، يستحيل أن يتجاهل بوبر دور الخبرة؛ لأنه فيلسوف العلم التجريبي، وهو يعلق عليها الاختبار الذي يحدد مصير النظرية، فقط لا يجعل لها الدور الاستقرائي، مرة أخرى وأخيرة نقول لبيرنايز وكيرك ورايشنباخ وأمثالهم: إن العلوم الوصفية لم تنبعث من محض ركام هائل من وقائع، بل انبعثت من نزوعات عقلية، من افتراضات مسبقة، خلقها العقل خلقا مثلا تشريح الحشرة، سبقه افتراض التماثل بين سائر أفراد جنسها، بحيث إن تشريح واحدة، يصلح نموذجا معبرا عن تشريح جنسها.