تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ح ح

أ أ

م2»، وثانيا - وهو الأهم: إننا لو فعلنا هذا لأصبحنا مكررين لنفس الخطأ الذي ارتكبه بوبر وننقده الآن.

زعم بوبر أن العقلانية تسلطية، يماثل الزعم بأن الوضعية المنطقية ما هي إلا مثالية ميتافيزيقية متطرفة، أمثال هذه الانتقادات الدائرية تضر الفلسفة أكثر مما تفيدها ألف مرة، فهي تجعلها كائنا رخوا أو عالما مفككا كل شيء فيه جائز.

الخطأ الحقيقي للعقلانية الكلاسيكية - بشقيها التجريبي والعقلي - هو اعتبارها الحقيقة بينة واليقين سهل المنال، ولكن حتى في هذا الخطأ لا نستطيع أن نلومها، لا بد أن نلتمس لهم العذر تقديرا للظروف المعرفية للعصر الذي نشأ فيه الاتجاه بشقيه؛ فقد كان عصرا يسلم بداهة بأن اليقين هو الهدف المنشود، وإلا فعما نبحث؟ عن الشك أم الجهل، لقد رأينا - إبان الحديث عن مشكلة الاستقراء - أن الحتمية ظلت من بديهيات العلم التجريبي، منذ عرف طريقه إلى النور مع عصر النهضة، وقد بلغ الإيمان بها ذروته في القرن الماضي، الذي ننفصل عنه ببضع عشرات من السنين فحسب، حيث كان المبدأ المسلم به، حيث لا حتمية لا علم، والحتمية واليقين صنوان،

22 ⋆

أما اعتبارهما من مخلفات عصور الجهالة، وأن حساب الاحتمال هو المنطق الملائم لطبيعة المعرفة العلمية، فإن هذا من أحدث ما توصل إليه العلم في قرننا العشرين، وهو من سمات الفلسفة المعرفية المعاصرة، فليس من العدل أن نحاسب مراحل فلسفية سابقة على هذا المطلب اليقيني.

إن العقلانية النقدية أصوب - بلا شك - من أية عقلانية، أو من أية نظرة إبستمولوجية أخرى؛ فأولا: ليس هناك نقد جامع شامل يفند كل محاولة للبحث عن اليقين القاطع يمكن أن نعثر عليه في كتابات أي فيلسوف من الفلاسفة المعاصرين،

23

أكثر من المذهب الذي يجعل البحث عن الخطأ والنقد لحمة سداها العقلانية، وثانيا هي عقلانية لا تحصر نفسها في حدود معطيات الحواس، ولا تطلق نفسها مع عنان العقل الخالص، ثم إن النقد يجمع خير ما في الطرفين، فضلا عما له من طاقة غير منكورة لحذف الخطأ، والاقتراب من الحقيقة، أي لدفع عجلة التقدم، لكن هذا لا يعني أن العقلانية الكلاسيكية - خصوصا عقلانية ديكارت - بكل هذا القبح الذي صوره بوبر.

ومن الملاحظ أننا عرضنا الآن ثلاثة أطوار للعقلانية:

العقلانية التجريبية «بيكون».

العقلانية العقلية «ديكارت».

العقلانية النقدية «بوبر».

أفلا يبدو للوهلة الأولى، أن هذا ليس إلا تطبيقا للروح الهيجلية في أطوارها الثلاثة، فقد بدأت بالعقلانية التجريبية، وهي أبسط الأنواع وأكثرها سطحية «الروح في ذاتها»، ومن المعروف أن البحث الفلسفي، قد درج على اعتبار الإبستمولوجية العقلية نقيض الإبستمولوجية التجريبية، فالعقلانية العقلية إذن هي الروح لذاتها أتت بعدهما العقلانية النقدية، لتجمع خير ما فيهما وتتجاوزهما بما هو الأفضل، إنها إذن الروح المطلق تكشف عن نفسها في الحركة الجدلية.

24 ⋆ (3) تعقيب على موقف بوبر من الاستقراء (1) قبل أن نناقش موقف بوبر من الاستقراء، نناقش أولا نقده لهيوم، والفحوى الأساسي لهذا النقد، أي القالب الذي صبت فيه جزئياته، لا يخرج كثيرا عن تصنيف معروف لمنطق هيوم، هو إدراجه تحت النزعة النفسية، التي تنكر استقلال المنطق عن الحياة والنفس، وتحاول رد كل شيء وكل الحقائق وكل العلوم إلى الحياة النفسية ومكوناتها، وهذا اتجاه قديم يعود إلى بروتاجوراس حين قال: إن الإنسان مقياس الأشياء جميعا، وسار فيه ميشيل دي مونتني

M. DeMontaigne (1532-1592م)، داعية الشك المذهبي بغية توطيد الدين والعلم المنزل، ثم ديفيد هيوم، ولعله أشد أقطاب النزعة النفسية تطرفا؛ إذ أخرج عمله الأول باسم «رسالة في الطبيعة البشرية» رغم أنها في المنطق والمعرفة «وهي تسمية واضحة الدلالة على أن العقل البشري لا ينفصل في رأيه عن الطبيعة البشرية، بل إن العقل على نحو ما معبر عن الطبيعة وثمرة لها.»

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٨٦