تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

John Eccles

كتابا قيما هو: «مواجهة الحقيقة، مغامرة فلسفية بذهن عالم» حيث بحثها بالتفصيل، وأثراها بتبيان العلاقة بينها وبين فسيولوجي الأعضاء، وبوبر لا يزال يخرج أعمالا عنها وعن تطبيقاتها في حل مشاكل فلسفية كثيرة، خصوصا العقل والمادة.

هذه النظرية خصبة للغاية، فهي تساعد على توضيح لماذا استعصى على الحل ذلك النزاع القديم حول ما إذا كانت الأخلاقيات والجماليات وسائر المقاييس المعيارية ذاتية أم هي موضوعية، حلت المشكلة ببساطة، وأصبحت هذه الأشياء من مكونات العالم 3، كما أنها تزودنا بتحليلات لمشكلة أهم، هي مشكلة التغير الاجتماعي؛ إذ سيصبح هذا التغير بسبب الخاصة الموضوعية لمخلوقات الإنسان في العالم 3، وللعلاقات التبادلية بينه وبينها، والتي تنمي تلك العلاقات، وتجعل له ولها تاريخا.

20

والأهم أن هذه النظرية - فوق كل هذا - خسارة مبينة للوضعيين والتجريبيين المتطرفين الذين يرون في المثل وسائر النظريات الميتافيزيقية تشبيهات مجازية وتحليقات خيالية تخلو من المعنى، ومحاولة من الفلاسفة لتغطية جهلهم وعجزهم عن تفسير الحقائق، بوبر يوفر أدنى عناء أو اختلاف في الرأي، حين يناظرها ويقارنها بالنظريات الميتافيزيقية العتيدة، كالمثل الأفلاطونية والروح الهيجلي، لقد درج الوضعيون على إدانة كل من ينشغل بالمباحث الميتافيزيقية بالجهل والرجعية والتأخر، فماذا عساهم أن يقولوا في بوبر - العالم وفيلسوف العلم: إنه شاهد من أهلهم. (4) أما عن الصياغة «م1

ح ح

أ أ

م2» فهي ذات قيمة كبيرة لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار النتائج الجمة التي ترتبت عليها، لكن يبدو أن بوبر قد قفز بها قفزا جزافيا، وأنه عمم إياها تعميمات شديدة تجافي الواقع، فهي محاولة لقولبة الأنشطة، كي ننظر إليها نظرة كلية عامة، أي نظرة فلسفية، ورغم أنها مبهمة، فمن الصعوبة بمكان الاقتناع بأن أسلوب الأميبا في الحصول على طعامها، هو نفس أسلوب وصول آينشتين إلى نظريته، لقد عاد بوبر ليقول: إن النقد وممارسة التصحيح الذاتي هو الذي يميز آينشتين عن الأميبا، التي لا تستطيعه فلا تستطيع حذف الخطأ، والخطأ يعني هلاك محاولتها وهلاكها، معنى ذلك أن نشاط الأميبا تختفي منه الخطوة «أ أ: استبعاد الخطأ» فلا بد أن يتبع ذلك منطقيا اختفاء الخطوة «م2»، وهذا فعلا ما يؤيده الواقع، فحياة الأميبا ليست فيها أية مشاكل جديدة أو مواقف جديدة، إنها تحيا الآن، تماما كما كانت تحيا منذ ملايين السنين، لكن باختفاء «أ أ» و«م2» ماذا بقي إذن من الصياغة؟ وبالتالي، كيف يمكن أن تسير حياة الأميبا في حلقات؟ على هذا ينتفي انطباق الصياغة على الأميبا وسائر الصور الدنيا من الحياة.

وقد يقال: إن هذه الصياغة تنظيم لنظرية داروين، وإن بوبر يقصد بها حلقات الحياة التي أفضت إلى الأميبا، من هذه الوجهة: لا اعتراض، الاعتراض على قوله المحدد من أن منهج الأميبا في حل مشاكل حياتها، هو عينه نفس منهج الوصول إلى النسبية، وعلى قول بوبر: «آينشتين قد يخطئ، تماما كما أن الأميبا قد تخطئ.»

21

لقد أخطأ بوبر وهو يضع آينشتين مع الأميبا في نفس الفئة، فئة ما صدقات نظريته، خطأ منطقيا وأدبيا. (5) أما بخصوص عقلانيته النقدية، فقد تجنى بوبر كثيرا على العقلانية الكلاسيكية، غير صحيح أنها فلسفة تسلطية، وكون ديكارت يجعل العقل ووضوحه وتميزه معيارا، كما يجعل التسلطيون الكتاب المقدس وفلسفة أرسطو معيارا، فهذا لا يعني تطابقا بينهما، السبب بسيط هو أن الكتاب المقدس - أو فلسفة أرسطو - محدود المعالم، بل محدود الصفحات والكلمات والعبارات والأفكار، يرسم أطرا راسخة لمحتوى الفكر، يلتزم بها المفكر التزاما، فيقصر جهوده على استنباط ما يلزم عنها وكشف العلاقات بينها، وما هكذا العقل ولا حتى الحس، فالمجال أمامه مفتوح وله حرية الحركة وحرية الخلق والإبداع، كل ما في الأمر أن العقل هو الفيصل، تماما كما أن النقد هو الفيصل في العقلانية البوبرية، فهل نجاري بوبر فنقول: إنه هو الآخر تسلطي وليس عقلانيا، وقد وضع سلطة النقد بدلا من سلطة الكتاب المقدس وأرسطو؟ إننا لا نقول هذا؛ أولا لأن النقد عملية دينامية متحركة متطورة، باكتشافها لمواطن الخطأ تدفع إلى الأمام في شكل الحلقات «م1

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٨٥