تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يؤكد هذا أكثر أن العالم النفساني أنطوني ستور

Anthony Storr

قد توصل - ودون أن يقرأ أعمال بوبر - إلى الاستنتاج التالي: «حينما نلج موقفا جديدا في الحياة، ويواجهنا شخص جديد، فإننا نصطحب معنا الانحيازات المكتسبة من الماضي، ومن خبراتنا السالفة مع الناس، ونسلط هذه الانحيازات على الشخص الجديد، والحق أن محاولة التعرف على شخص ما، هي إلى حد كبير سحب إسقاطات وطرد ستار دخان مما نتخيله، وإبدال ذلك بحقيقة حاله فعلا.»

16

أي إن التعرف على شخص جديد محاولة نستبعد منها الخطأ فنجد أمامنا موقفا جديدا بمشاكل جديدة، مما يعني انطباق الصياغة التي وضعها بوبر لوصف المعرفة الموضوعية: «م1

ح ح

أ أ

م2» على المواقف النفسية، وقد اتخذ بريان ماجي - أبرز شراح بوبر - من هذا معوانا لكي يؤكد على عمومية تلك الصياغة وانطباقها على كل عمليات التطور وعلى كل عمليات التعلم، حتى العملية النفسية التي يتعارف بها البشر فيما بينهم، أي إن بريان ماجي قد رأى في تلك النتيجة التي توصل إليها العالم النفساني أنطواني ستور كسبا لبوبر، يزيد من نطاق نظريته، لكنه هنا خسارة له؛ إذ يؤكد أن الفارق بين المعرفة الموضوعية وبين الاعتقادات السيكولوجية ليس بهذا الحسم القاطع.

ويمكن أن نجادل بوبر أكثر من ذلك، فنقول: إنه هو نفسه كثيرا ما يستعمل - وهو بصدد إثبات دعاوى موضوعية صرفة - اصطلاحات مثل: اعتقاد، أعتقد أن، ... فلماذا يدعو إلى الاستئصال التام لشأفة الاعتقاد وكأنه نبتة غريبة في حديقة التفلسف المعرفي.

دعوى بوبر إلى موضوعية المعرفة واستقلالها عن أي ذات أصوب، وتركيز الجهود على المحتوى الموضوعي يفيد هذا المحتوى أكثر، كل ذلك رائع، وقد سبق أن أكد وايتهد على ضرورة استبعاد الذات العارفة من الدخول كمتغير في معادلة الطبيعة وما بين الأشياء من علاقات

17

وموضوعية بوبر بلا شك أقوى وأشمل، وهي الجديرة بالأخذ دون سواها من النظريات المعرفية، لكن الذي لا يمكن الأخذ به أبدا هو الحكم على الفلسفة بعمرها الطويل وعمالقتها العظام، الذي نحني الهام إجلالا وتكرمة لهم، بأنها غير ملائمة، لا تعرف ما هو مبحثها، وينبغي أن نزيلها هكذا بجرة قلم، هذا أسلوب نقد كلي، رفض كيان مهيب ثري بمبدأ واحد، بوبر أول من يعيب هذا الأسلوب كما عابه على الوضعية في رفضها للميتافيزيقا بمبدأ واحد، كما عاب على الماركسية رفضها للوضع القائم بأسره مرة واحدة ... (2) أما عن نظرية الصدق التي يأخذ بها بوبر، أي التناظر، فهي الموقف الشائع شبه المعتمد، فهذه النظرية تبدو وكأنها النغمة المسيطرة على سيمفونية الفلسفة والاستثناءات البسيطة كنظرية الترابط أو الاتساق

Theory of Coherence

أو الالتجاء إلى التحقق الحسي بوصفه معيارا للحقيقة، أو النظرية البراجماتية التي ترى الصدق في المنفعة، أو الاتجاه الصوفي الحدسي أو الديني، أو ما عدا ذلك من معايير مثل السلطة

authority

أو معيار الاتفاق الاجتماعي، أو اليقين الباطن، أو حتى المعيار المركب الذي يرى أن الدليل الوحيد الكافي على الحقيقة، ينبغي أن يكون مركبا من كل هذه النظريات والمعايير المتعددة،

18

كل هذه النظريات بمثابة نغمات نشاذ، والسؤدد الأعظم إنما هو لنظرية التطابق، منذ أن قال بها أفلاطون في محاورة السفسطائي مرورا بالعصور الوسطى شرقا وغربا، فالحقيقة عند الإسلاميين هي تطابق «تناظر» ما في الأذهان مع ما في الأعيان، وهي كذلك عند اللاهوتيين في الغرب حتى قال بها رسل،

19

خصوصا في الفصل الثاني عشر من كتابه «مشكلات الفلسفة» فهذا الفصل يدور حول الصدق والكذب

Truth and Falsehood

يشرح رسل فيه أن الصدق هو تناظر الاعتقاد - الذي يغضب بوبر - أو الحكم مع الواقعة، هي إذن الموقف الشائع، وليكن ألفرد تارسكي - كما يرى بوبر - هو الذي أخرجها في أفضل صورة، وخلصها من الدوران المنطقي، فهي على أية حال نظرية منطقية، والمنطق بحكم الطبيعة الصارمة لا يحتمل الكثير من القيل والقال. (3) أما عن نظرية بوبر في العوالم الثلاثة، فهي من أمتع إبداعاته، حتى لقد أخرج عنها العالم البيولوجي سير جون إكسلس

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٨٤