تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صياغة فرض مؤقت تمهيدي يكون أساسا للعمل. (4)

يستخرج من هذا الفرض استنتاجات لو صحت لصح الفرض الذي خرجت منه. (5)

يكشف عن صحة هذه الاستنتاجات بالتجربة الفعلية. (6)

وبناء على ما تخرجه التجربة، يقبل الفرض أو يعدله أو يرفضه.

11

تماما طبقا لما قاله بوبر في خطوات المنهج، بل وقد عقب عليه تعقيبا بوبريا إذ قال كونانت: «وماذا في هذا المنهج من جديد، إنه منهجنا طوال الحياة، وإن كان هذا هو المنهج العلمي، فنحن إذن علماء طوال الحياة ونحن لا ندري كما قال أحد أشخاص رواية كوميدية لموليير، حين عرف ما النثر بعد جهل «إذن أنا كنت أقول النثر طوال حياتي ولا أدري».»

12

أجل، فقد أصاب كونانت، كما سبق أن أصاب بوبر من قبل، إن المنهج العلمي بمعنى مسار إجراءاته، وأسلوب العمل الفعلي فيه لا يميزه، بل يميز الإنسان العاقل في شتى مناشطه، بل ويميز الحياة على كوكب الأرض.

منهج العلم ليس خاصا به كي يميزه، إنه ليس معيارا للمعرفة العلمية. (4) غير أن موافقة بوبر على هذه الدعوى الكلية التي انتهى إليها الباب، لا تمنع من مناقشة فصوله في الكثير الجم من الأفكار التي أفضت إلى هذه النتيجة.

فلنناقش موضوعية المعرفة بشتى جوانبها، وننتقل إلى مناقشة موقف بوبر من الاستقراء لننتهي بتقييم نظريته في منهج العلم.

13 ⋆ (2) تعقيب على المعرفة الموضوعية (1) أول ما ينبغي أن يقال لبوبر حول موضوعية المعرفة هو أنه من التهور الفلسفي أن نطلق ببساطة على البحوث الإبستمولوجية - منذ أرسطو حتى رسل - الحكم بأنها غير ملائمة وليست في مكانها السديد فقط؛ لأنها تحسب حساب الاعتقاد، هذا حكم جزافي واسع وخطير، وليس من السهل تقبله، لا من بوبر ولا من أي فيلسوف آخر، بل وليس من السهل حتى أن ندعه يقوله.

فقبل كل شيء هل يمكن حقا أن تقطع المعرفة كل صلة بينها وبين الذوات قطعا باتا - كما يريد بوبر - كي تكون موضوعية، في حين أن المفهوم الحديث للموضوعية، والذي يستعمله بوبر نفسه، هو مفهوم أو مصطلح البين-ذاتية

inter-subjectivity .

ومن الناحية الأخرى، فليس الانشغال بالاعتقاد في المعرفة هو الإثم المعرفي البين؛ فالاعتقاد ليس مجرد عملية بيولوجية تدور داخل ذهن معين في العالم، ولا ينبغي أن نلتفت إليها في العالم الموضوعي العالم 3، كلا، في العالم 2، ولا ينبغي أن نلتفت إليها في العالم الموضوعي، ولأكثر من سبب يمكن على سبيل الاختصار حصرها بين سببين:

أولا:

النظرية قبل أن تخرج إلى العالم 3، لا بد أن تكون اعتقادا في ذهن العالم أو الفيلسوف أو المفكر الذي قال بها.

ثانيا:

أهم العوامل التي تجعل المثقف العادي يهتم بالعالم 3، هو أنه يعينه على تكوين اعتقاداته؛ فشخصية الإنسان هي مجموعة اعتقاداته، وهي الهدف النهائي للبحوث الفلسفية، فالفلسفة - فيما يراها بوبر نفسه - مجرد بحث نقدي في معتقدات الإنسان العادي.

14

الاعتقاد إذن هو نقطة البدء ونقطة النهاية للبحوث الفلسفية.

وفضلا عن هذا، نجد أن الفارق الذي أقامه بوبر فيصلا حاسما بين المعرفة الموضوعية وبين الاعتقادات الذاتية، لا يصلح في واقع الأمر لأن يفرق بينهما، فهذا الفارق هو القابلية للنقد، والمعرفة طالما صيغت في لغة، فقد خرجت عن حدود الذات وأصبحت موضوعية - أي أصبحت بين-ذاتية - ووجب أن تدق لها أجراس المنطق والفلسفة والعلم فقط لأنها أصبحت قابلة للنقد بين الذوات، أي بين الباحثين، لكن بوبر أتى في موضع آخر ليخبرنا بأن هذا النقد للمحاولات المعرفية من الأفضل أن يكون ذاتيا.

15

وأن نكتشف مواطن الخطأ في نظرياتنا خير من أن يكتشفها الآخرون؛ ومن ثم يمكن أن نقول لبوبر: إن المعرفة الذاتية؛ أي الاعتقادات، هي طبعا قابلة للنقد الذاتي الذي حبذه هو نفسه، فلا يصبح النقد، أو القابلية له، مبررا لكل هذه التفرقة الحاسمة.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٨٣