تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

وكأن الاستدلال الاستقرائي هو الاستدلال الذي ما بعده استدلال - تماما كما أن العلم الطبيعي هو العلم الذي ما بعده علم - فيوطد هذه النتيجة العظمى الجليلة، ترى ما موقف الإمام الصدر، لو أنه اطلع على أبحاث بوبر وتبين أن الاستقراء محض خرافة. (3) وأكثر من هذا، فقد حاول بوبر أن يوضح كيف يمارس العالم عمله، فوضع جدلا ما يمكن أن نسميه بالكاد منهجا للعلم: مشكلة، محاولة حلها، استبعاد الخطأ ...

لكن هذا المنهج لم يدع إطلاقا أية خاصة لتمييز العلم؛ فهو منهج البحث العلمي، بمعنى منهج محاولة حل المشاكل العلمية، لكنه لا يختلف في جوهره عن منهج أية محاولة أخرى لحل أية مشكلة أخرى، لقد كانت نظرية منهجية، أكدت رأيه في أن النظرية العلمية آتية تقريبا من نفس الطريق الذي أتت منه النظرية الميتافيزيقية، أو أية نظرية أخرى، من هذه الوجهة لا تمييز إذن، التميز والاختلاف فقط في الأساليب الفنية التي نتعامل بها مع النظرية العلمية على أساس الخصائص المنطقية لبنيتها.

لكن هل حقا المنهج بمعنى الإجراءات الفعلية والخطوات الواقعية التي يجري بها العلم أبحاثه، لا يمكنه أن يدمغ هذه الأبحاث بالسمة العلمية؟

في هذا يقول جان فوراستيه

Jean Fourastie : «إن للمنهج العلمي مدى يمتد من العالم إلى الإنسان المتوسط، ومن الميكانيكا الموجبة إلى الأحداث المبتذلة للحياة اليومية، فليس هناك مجالان منفصلان: مجال العلم ومجال الحياة، والنهج العلمي ليس تقنية خاصة بذوي الاختصاص كما يختص خبراء التأمين بنظام الاحتمالات، والقضاة بالقانون، وعلماء الآثار المصرية بالهيروغليف، بل هو أحد الوسائل المعطاة لكل إنسان، وأكثر هذه الوسائل سهولة وضمانا لمعرفة العالم الذي انتظم فيه الإنسان؛ الكون والأرض والنباتات والحيوان والأشخاص.

ودائرة العلم ليست مقتصرة على علم الفلك والكيمياء الذرية أو الفيزياء الكمية، إنما على أسرار المادة والكون وغوامض الحياة العميقة، بل يشمل كل الواقع الملموس، والمنهج التجريبي لا ينطبق إذن على وصف الكواكب والإلكترون أو سيانور البوتاسيوم وتفسيرها ومعرفتها فحسب، بل ينطبق كذلك على كل وقائع وأحداث الحياة اليومية لكل إنسان حي.»

7 ،

8 ⋆

واضح أن جان فوراستيه هنا، يعني نفس ما عناه بوبر حين قال: إن الصياغة «م1

ح ح

أ أ

م2» تصف النشاط العلمي كما تصف سائر الأنشطة ولا فارق البتة، وهذا هو الرأي السديد؛ لأن العلماء ليسوا فصيلة آتية من كوكب آخر، كما يراهم مثلا عالم الرياضة والتناسليات الإنجليزي كارل بيرسون

Karl Person (1857-1936م)؛ إذ يعطي كتابه قواعد العلم

The Grammar of Science

انطباعا بأن العلماء قوم غرباء، يمارسون نشاطا غريبا هو الاستقراء، المتلخص في جمع الحقائق وتبويبها بمنتهى الآلية، وهذا بالطبع خطأ، «العلماء مجموعة عادية من البشر، لهم طبائع عدة، بعضهم ذوو صنعة، وبعضهم موسيقيون أو شعراء أو متصوفة، بعضهم يستلقط الأخطاء، وبعضهم يكتشف الحقائق، وبعضهم يبني الأنساق، فليس هناك تكوين محدد اسمه العقلية العلمية، ولا شيء محدد اسمه المنهج العلمي.»

9

أما رأي كارل بيرسون السطحي الساذج، فقد أثار ثائرة العالم الأمريكي الكبير جيمس كونانت

James Conant (1893م-؟) الذي أكد ما أكده بوبر من أن منهج العلم لا هو الاستقراء، ولا هو خاص به كي يميزه، فيقول: «لا يوجد شيء واحد يشار إليه وحده فيقال: هذا هو المنهج العلمي ولا شيء سواه، إن العلوم الطبيعية المختلفة لا تكتشف عن طريقة يقال إنها واحدة وحيدة.»

10

وحينما يضطر كونانت جدلا لرسم صورة عامة لمنهج العلم - كما اضطر بوبر لرسمها جدلا - يطرحها في ست خطوات: (1)

يصادف الرجل مشكلة يتعرف بها، ويحدد أغراضه فيها. (2)

يجمع كل الحقائق المتصلة بموضوعها. (3)

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٨٢