تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1 ⋆

أو هو - على أسوأ الفروض - دور العرقلة والإرباك والتقييد.

أولم نر الملاحظة تعرقل إنسكمندر، فتمنع نظريته من الوصول إلى موقف أقرب من الصدق كان يمكن أن تصل إليه، دور الملاحظة - والذي هو دور جوهري وأساسي وهام - يأتي بعد التوصل إلى النظرية، وليس كمقدمة إليها كما يدعي الاستقرائيون.

وطالما أن الاستقراء خرافة، فيستحيل إذن أن يميز المعرفة من أية زاوية، وإذا كان قد استمد سلطانه الزائف في تمييز المعرفة العلمية لأنه يؤصلها؛ أي يرجع أصولها إلى الملاحظة الحسية، فتكون بذلك مختلفة عن المعرفة الفلسفية التي ترجع أصولها إلى التأمل، أو أية معرفة أخرى لا استقرائية، فإن بوبر لا يدري لماذا نبحث عن أصل المعرفة، ولا فيما يعنينا هذا الأصل. في فصل المعرفة موضوعية، رفض بوبر تعيين أي مصدر محدد للمعرفة، ورحب بكل المصادر طالما نتائجها قابلة للنقد، أصل النظرية لا يهم، وإلا كنا نكرر الخطيئة الأرستقراطية، التي تبحث في الأصل والنسب وتغفل تقييم الشخص ذاته، المهم هو قوتها الشارحة وصمودها أمام اختبارات النقد ... أما أصلها، من أين أتت وكيف أتت؟ فهو «سؤال شخصي»

2

للعالم، لا يهم إلا مترجما يكتب السيرة الذاتية للرجل الذي توصل إلى النظرية،

3

أو عالما سيكولوجيا تجريبيا يدرس ظاهرة الإبداع العلمي.

وقد اختلف بعض الباحثين مع بوبر في هذا، مثلا ج. س. كيرك، يرفض موافقة بوبر أن أصل النظرية غير ذي أهمية، ويؤكد أن له دورا في تاريخ العلم وفي فلسفة العلم ؛ لأن سيرة حياة واضع النظرية، هي بوضوح متعلقة بالتطور التاريخي للنظرية، وفلسفة العلم تستخدم بالفعل أمثلة تاريخية،

4

لتوضح مثلا أن كل النظريات العلمية فروض مؤقتة، ولعل كيرك مصيب هنا؛ فقد اضطر بوبر نفسه، في فصل الاستقراء خرافة - مثلا - إلى الرجوع لأصل النظريات العلمية؛ ليثبت أنه ليس استقراء.

ولكن مهما كانت النظرة إلى أصل النظرية، فإنه على أية حال لا يميزها أبدا.

ثم إن آيات فشل الاستقراء - أو الأصل الاستقرائي بالذات - كمعيار للتمييز واضحة وضوح الشمس، ففضلا عن أنه أصاب النظرية العلمية ذاتها - التي يميزها - باللاعقلانية وسائر نتائج مشكلة الاستقراء، فإن أبسط ما لا ينبغي بداهة أن يختلط بالعلم التجريبي، كعلم التنجيم مثلا، يمكن تأصيل نظرياته استقرائيا؛ إذ يمكن الإتيان بكم هائل من الأدلة الاستقرائية القائمة على الملاحظة وخرائط البروج السماوية، والتراجم والسير الذاتية،

5

يمكن مثلا الإتيان بألف شخص ولدوا في سبتمبر، ويتميزون بالحساسية الفائقة، لنعمم ذلك استقرائيا في قانون تجريبي علمي أصيل: كل من ولد في سبتمبر، يتميز بالحساسية الفائقة، وبالمثل أيضا علم الفراسة

Phrenology ، يمكن الإتيان بألف شخص، يتميزون بالجبهة العريضة والذكاء الحاد ... ذلك لأنها علوم زائفة، تدعي أنها تتبع منهجا تجريبيا زائفا زيف الاستقراء.

النتيجة الحتمية الضرورية، لكل ما جاء في هذا الباب، هي استحالة أن يكون المنهج الاستقرائي معيارا لتمييز المعرفة العلمية. (2) والحق أن هذه النتيجة - رغم بداهتها - إنجاز ضخم وعظيم، تكمن عظمته في الشجاعة الأدبية والأصالة الفكرية اللتين انطوى عليهما، كيف يفكر بوبر أصلا في حسم القول في رفض فكرة شائعة شيوع الإيمان، «الاستقراء معيار العلم» تكاد تكون الفكرة الوحيدة في فلسفة العلم التي تدخل في معتقدات رجل الشارع، فهو يجزم بأن العلم التجريبي عظيم؛ فقط لأن العالم يقتصر على تسجيل ما تبوح به التجربة - استقرائيا - من أسرار الطبيعة.

بل وأكثر من هذا، فالإيمان بالاستقراء - كمعيار للعلم - قد تطاول إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى؛ بحيث يمكن اعتبار الثانية نتيجة للأولى، وليس هذا تعبيرا مجازيا بل تقرير لواقعة، هي أن الإمام محمد باقر الصدر، وهو زعيم شيعي من علماء النجف الأشراف، يتمتع بمنزلة دينية وعلمية وقومية فائقة، وقد أخرج دراسة وافية شاملة محيطة بالاستقراء كمنهج للعلم الطبيعي، محددا أسسه المنطقية وجوانبه الميثودولوجية، كي يتبع هذه الأسس بدقة في استدلال استقرائي ينتهي إلى وجود الله،

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٨١