تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من هنا كان إيمان بوبر الشديد بنظرية دارون والذي يشيع في ثنايا فلسفته بأسرها، شيوع تلك الصياغة، لكن ليس بوصفها نظرية علمية، إنما بوصفها برنامج بحث ميتافيزيقي

Metaphysical Research Porgramme ،

29

فلما كانت نظرية دارون فكرة عظيمة، لكنها ميتافيزيقية مبهمة، ينقصها الشيء الكثير، كانت تلك الصياغة «م1

ح ح

أ أ

م2» التي تصف أسلوب المحاولة والخطأ، أسلوب النزاع من أجل البقاء والانتخاب الطبيعي الذي يستبعد الأقل تكيفا، هي محاولة من بوبر لإعادة صياغة هذه النظرية، بوصفها برنامج بحث صياغة تخلصها مما بها من غموض وإبهام،

30

وتحددها طالما أنها تعطي وصفا داخليا محكما لعمليات الانتخاب الطبيعي. (3) وفي سياق هذه المماثلة بين تطور المعرفة وتطور الكائنات الحية، يضع بوبر تماثلا بين شجرة التطور البيولوجي وشجرة التطور المعرفي،

31

وإن كان تماثلا عكسيا، فالشجرة التطورية البيولوجية انبثقت عن أصل واحد ظل يتفرع إلى فروع أكثر وأكثر، إنها تشبه العائلة، والأصل المشترك هو أسلافنا أحادي الخلايا، أسلاف جميع الكائنات الحية، والفروع هي التطورات التي انبثقت عن هذا الأصل الحي، الكثير منها اتخذ أشكالا خاصة إلى حد بعيد، اختلفت أو «تفاضلت

differiantated » كل شكل منها، فتكامل بالدرجة التي تمكنه من حل صعوباته الخاصة، أي مشاكله من أجل البقاء (تفاضلت وتكاملت مصطلحات سبنسر في محاولته لأن يحكم النظرية الداروينية بقوانين).

والشجرة التطورية لأدواتنا تماثلها جدا، فقد بدأت بأصل واحد، قطعة صخر وعصا، وتحت تأثير مشاكل مختلفة تطورت وتفرعت إلى أعداد كبيرة من الأشكال المختلفة جدا، بنفس الأسلوب التفاضلي.

أما نمو المعرفة البحتة، فهو بأسلوب عكس تماما، تتجه كما لاحظ سبنسر نحو تكامل متزايد، تكامل بعضها والبعض الآخر، بدلا من أن يتفاضل كل فرع عن الآخرين أو يكامل نفسه بنفسه، كما في حالة الأدوات والحيوان.

لو أمكن التصور، فإن نمو المعرفة، هو على صورة هذه الشجرة لكن مقلوبة، أصلها أو جذورها هو الفروع المنتشرة في الهواء، تتجمع رويدا رويدا، حتى تنتهي إلى أصل واحد، جذع واحد يؤدي بها إلى نهاية واحدة ثابتة في الأرض، هذا الجذع يضمها نحو التكامل المتزايد، نحو نظريات تتوحد أكثر، بلغت أوجها في النظريات الفيزيائية البحتة الحديثة، على رأسها النسبية، التي تحاول ضم أكبر نطاق ممكن من المعارف العلمية، إن المعرفة البحتة لم تبدأ بأصل واحد، بل بعدد كبير من الأصول (توقعات فطرية - نزوعات - خرافات - أساطير - نظريات ميتافيزيقية ... إلخ) كانت تهيم في الهواء وأخذت تقترب تتجمع وتسير إلى جذع واحد رسخ في الأرض، بدأت أوضح الأمثلة في نيوتن حينما حاول ربط ميكانيكا جاليليو الأرضية، بنظرية كبلر في الحركات السماوية.

32 (4) من الناحية المعرفية المنهجية، بوبر داروني حتى النخاع؛ لذلك أضاف لعنوان كتابه «المعرفة الموضوعية» تذييلا هو: تناول تطوري

Evolutionary Approach . (3) العبقرية الخلاقة (1) لكن لنلاحظ أن بوبر لم يوضح حتى الآن، ما هو طريق الوصول إلى النظرية الجديدة، كما أوضح الاستقراء، في خطواته المفضية منطقيا إلى خطوة الفرض ثم المعرفة،

33 ⋆

بينما لم يفض بنا منهج بوبر إلى ذات اللحظة التي تخلق فيها النظرية خلقا، فحتى «أ أ» تعني طرح فرض جديد، نظرية جديدة، لكن لم توضح إطلاقا من أين ولا كيف نأتي به.

الواقع أن مثل هذا التوضيح مستحيل، فمنذ البداية وبوبر يستعمل كثيرا ودائما اصطلاح: افتراض حدسي

Conjecture

افتراض لأنه حتما يقيني ومؤقت، أما عن كونه حدسيا فهو حقا ليس في طبيعة الحدسي البديهي

Intuition

عند ديكارت مثلا، فالحدس البديهي بسيط، يبدو جليا للعقل، الذي هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، بينما الحدس الافتراضي العلمي معقد، وقد لا يسهل فهمه إلا للعقول العلمية الجبارة، ولكن كليهما حدس من حيث أصله، وطريقة الوصول إليه، الفرض العلمي يلمع في الذهن بغتة كلمعة الحدس، على هذا يستحيل رسم طريق محدد، منهج معين الخطا للوصول إليه، لنأخذ مثالا: نظام مندليف الدوري للعناصر الكيميائية، القائم على المستوى الذري لبناء المادة، والذي يعتبر أعظم إنجاز للعلم المتجه إلى معرفة كيفية نشوء العالم، «لقد أنشأه مندليف مستندا فقط إلى قيمة الأوزان الذرية للعناصر المعروفة في ذلك الزمان وعلى حدسه الرائع، كما قال نيلس بور.»

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٧٥