34
هذه شهادة من عالم لعالم، تؤكد نظرية بوبر المنهجية التي ترى أن الوصول إلى الفرض يكون عن طريق الإلمام بالحصيلة المعرفية السابقة (في المثال: قيمة الأوزان الذرية المعروفة) ثم قدح الذهن ليتوصل إلى حل للمشكلة المطروحة للبحث، هذا الحل حدسي، لا تنتبه إلا الموهبة العبقرية العلمية الخلاقة، كعبقرية مندليف وأمثاله، على هذا لا يمكن أن ننظر إلى المنهج العلمي، كطريق يفضي حتما إلى فرض، فضلا عن إضافة للمعرفة (كما انتهت آخر خطوات الاستقراء).
بالنظر إلى المنهج العلمي من هذه الزاوية، نكون في عرف بوبر، نتحدث هراء يخلو من المعنى، هذه النظرة إلى المنهج، هي التي حدت به إلى أن يقول لطلاب فيزياء في بداية سلسلة لمحاضراته عن المنهج العلمي: إن مادة هذا المقرر ليس لها وجود،
35
إنه يكره كلمة منهج بما تتضمنه من تقرير أبله، من رسم طريق محدد، أن يلتزم به العالم التزاما لا بد حتما أن يفضي إلى نظرية،
36
وربما كان بوبر يرفض تحديد مثل هذا المنهج، من نفس المنطق الذي يرفض منه تعيين مصدر معين للمعرفة، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار، الربط الوثيق بين نظرية بوبر المنهجية وبين نظريته المعرفية. «إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي يقوده إلى النجاح فلا بد أن يصاب بخيبة أمل، ليس هناك طريق ملكي للنجاح، وأيضا إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي كطريق لتبرير النظريات العلمية فسيصاب أيضا بخيبة أمل، النظريات العلمية لا يمكن أن تبرر، إنها فقط تنقد وتختبر.»
37
ليس هناك منهج منطقي للوصول إلى الأفكار الجديدة، لا استقراء الوقائع ولا غيره، المنهج العلمي ليس طريق الكشف، بل هو منطق العلم، وليس رسم طريق الوصول إلى النظرية، كما رسمته خطوات الاستقراء، بل هو رسم أسلوب التعامل مع النظرية كما سيرسمه باب التكذيب، لقد ميز بوبر بحسم بين عملية تلقي المعلومة الجديدة، عملية التوصل إلى - أو اختراع - فرض جديد، وبين منهج اختبارها منطقيا ، والتحكم في نتائج هذا الاختبار، فذلك هو موضوع المنهج العلمي ومجاله، أما العملية الأولى، فإنها لا تستدعي التحليل المنطقي ولا هي تقبله، في هذا قال العالم ماكس بلانك: «إن كل فرضية تظهر في عالم العلم تعرض نوعا معينا من الانفجار المفاجئ، وقفزة في الظلام لا يمكن تفسيرها منطقيا، ثم تدق ساعة ميلاد نظرية جديدة، وبعد أن ترى نور العالم تسعى جاهدة إلى النمو والتقدم باستمرار ويتوقف مصيرها أخيرا على المقاييس.»
38
بناء على كل هذا نجد أن التساؤل حول كيفية توصل شخص معين إلى فكرة جديدة؛ لحن موسيقي، أو بناء درامي، أو فرض علمي؛ هو من عمل علم النفس التجريبي، حينما يريد أن يفهم الظاهرة السيكولوجية الهامة؛ ظاهرة الإبداع،
39
لكن يستحيل دراستها في منهج العلم، أو منطقه؛ لأن كل اكتشاف علمي «يحوي عنصرا لا عقلانيا أو حدسا خلاقا.»
Creative Intuition ، بتعبير بيرجسون، حدسا مؤسسا على الحب العقلاني لموضوع البحث.
40
لقد استشهد بوبر بهنري بيرجسون
H. Bergson (1859-1941م) لأنه يفسر عملية الإبداع من خلال الحدس، الذي يحتل مكانا بارزا في فلسفته؛ إذ يرى بيرجسون نوعا من الوحدة الروحية تضم الوجود بكل ما فيه ومن فيه، ونحن لا نمارس الشعور بالوحدة أو الاتحاد مع العالم إلا في ظروف معينة، كما أننا نتفاوت في المقدرة على هذا الاتحاد، والعباقرة المبدعون هم ذوو المقدرة العظمى عليه، ولا فضل لهم في هذا؛ لأنها قدرة تقوم على أساس فطري يتمثل في درجة السهولة التي تصل بها الغريزة إلى مستوى الشعور؛ فالغريزة هي الجانب الذي نشارك به في وحدة الوجود، والاتصال بينها وبين مستوى الشعور أو الوعي يتيح لصاحبه أن يرى مشهدا عاما للوجود بعلاقاته الباطنية العميقة، وهذا المشهد العظيم هو الحدس، الذي يتميز به كل العباقرة والمبدعين من علماء وفنانين،