فكيف تبقى بعض الأنواع؟ وكيف يتطور أو ينقرض البعض الآخر؟
في الإجابة على هذا ذهبت نظرية دارون إلى أن دنيا الطبيعة فيها سلسلة لا تنتهي من الكفاح من أجل الحياة؛ إذ ينقض الحيوان الوحشي على غيره فيهلكه، وكذلك تتنافس جميع الكائنات الحية في الحصول على الغذاء والماء والمأوى، فما كان فيها منها الأقوى والأسرع والأصلب، فهو الذي يبقى، أما الضعيف فيهلك، الأنواع القوية القادرة على الفتك بمنافسيها، القادرة على التكيف مع البيئة تبقى وتحكم بالفناء على الأنواع الضعيفة الأقل تكيفا مع البيئة،
25
على هذا النحو يتم الانتخاب الطبيعي، أي تجعل نظرية دارون المعول الأكبر على الكائن الحي، له ولإمكانياته، الدور الأعظم في سلسلة التطور.
من هنا كان الاستقرائيون لاماركيين، بمعنى أنهم يجعلون للعالم دورا سلبيا، فقط يتلقى نتائج التجريب التي تمليها الطبيعة، فيعممها في فرض علمي، أما بوبر فلا يرضى بهذا الدور السلبي الاستقرائي للعالم، أو بهذا الدور السلبي اللاماركي للكائن الحي، في الخطوة «ح ح»، كان العالم هو الذي يضع الفرض من عنده، هو الذي يخلق النظرية، إن العالم في نظرية بوبر المنهجية له دور إيجابي في خلق قصة العلم، كما جعل دارون للكائن الحي دورا إيجابيا في خلق قصة الحياة، إننا لا نعرف من خلال التعاليم التي تلقيها البيئة علينا كما يدعي الاستقراء، بل نعرف من خلال تحديها وفرض تصوراتنا عليها؛ لذلك يفسر بوبر التقدم العلمي بالنقد، فهو الذي يبرز ثورية هذا التقدم، فهو يحطم ويغير ويبدل مجسدا إيجابية العالم الداروينية، أما اللاماركية الاستقرائية، فتفسر التقدم العلمي بتراكم المعلومات كمكتبة نامية باستمرار، مسألة آلية. (2) إن بوبر يعظم من نجاح نظرية دارون؛ فلا يقصر تطبيقها على البيولوجي، بل ويسحبه إلى الإبستمولوجي والميثودولوجي، بل وإلى سائر التطورات، طالما أن الصياغة «م1
ح ح
أ أ
م2» تحكم شتى الأنشطة على كوكب الأرض.
لكن رغم هذا لا يعتبرها نظرية علمية بالمعنى القابل للتكذيب، أي بالمعنى ذي المحتوى المعرفي الإخباري؛ إذ يعتقد البعض أن نظرية دارون في علم الحياة هي المثيل لنظرية نيوتن في علم الطبيعة وهذا خطأ، حقا أثرها ثوري، لكن ليس في عمق أثر نيوتن؛ لأن نظرية نيوتن تعطي وصفا تفصيليا لكثير من القوانين التي تحكم الطبيعة، بينما لا تشتمل نظرية دارون على أي قوانين، وحينما حاول هربرت سبنسر أن يضع قوانين تحكم التطور فإن دارون لم يعر هذا أي اهتمام،
26
إن نظرية دارون بغير محتوى معرفي أو تجريبي؛ فمحتواها تحصيل حاصل؛ لأنها تنتهي في النهاية إلى أن هؤلاء الذين يبقون هم الأصلح للبقاء، فقط لأن هؤلاء الذين يبقون هم هؤلاء الذين يبقون،
27
ويبين الانتخاب الطبيعي أنه من حيث المبدأ يمكن رد الغائية إلى العلية في حدود فيزيائية بحتة، ويبين دارون أن أسلوب عمل الانتخاب الطبيعي يمكن من حيث المبدأ أن يظهر بمظهر أفعال الخالق وأغراضه، ويمكن أيضا من حيث المبدأ أن يظهر بمظهر الأفعال الإنسانية العاقلة الموجهة نحو غرض أو هدف،
28
وإذا صح هذا فسيصبح لعلماء الحياة تمام الحرية في استعمال الشروح الغائية في علم الحياة، حتى الذين يعتقدون أن جميع الشروح يجب أن تكون علية؛ لأن ما بينه دارون على وجه الدقة؛ من حيث المبدأ، أي شرح غائي معين يمكن يوما ما أن يرد إلى، أو يشرح أكثر بواسطة شرح، على الرغم من أن هذا إنجاز عظيم، فإن تعبير من حيث المبدأ «هو تقييد ذو خطورة»؛ فلا دارون ولا أي داروني، أعطى شرحا عليا للتطور التكيفي
adaptive Evolution ، وكل ما نظفر به أن مثل تلك الشروح قد توجد، أي ليست مستحيلة منطقيا، وهذا شيء كثير لكن ليس بنظرية تجريبية إخبارية أي ليس علما بالمفهوم الدقيق الذي نرومه في هذا البحث.