تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما أن الاتجاهين ليسا متعارضين، والعلاقة بينهما ليست تناقضا، هما متعاقبان زمانيا وموضوعيا، لكل منهما سمات وخصائص قد تختلف وقد تتفق مع سمات الأخرى الواحدة منهما لا تسير بغير الأخرى، لكن يكون للتفكير العلمي مسار، المرحلة النقدية ضرورية للدوجماطيقية؛ كي تقي شر هلاك محتوم، والدوجماطيقية ضرورية للنقدية؛ كي تمثل لها المادة الخام، وأكثر من هذا فإن الدوجماطيقية ليست شرا محضا، بل لا بد من قدر منها حتى في البحث العلمي، فالعالم أثناء اختبار نظريته لا بد وأن يتمسك بها تمسكا دوجماطيقيا نوعا ما، فلا يتخلى عنها بسهولة، ثم إن الدفاع عنها في مواجهة النقد من شأنه أن يطورها ويحسنها، إن بوبر لم يعن بهذا التقسيم أكثر من الإشارة إلى الاعتقاد القوي، الذي يثبتنا عن انطباعاتنا الأولى، وهو الاتجاه الدوجماطيقي، بينما الاتجاه النقدي يشير إلى الاستعداد لتعديل الأفكار وتصحيحها، إلى السماح بالشك والاختبار، إلى تقبل النقد وإقرار الخطأ، ببساطة إلى الاعتقاد الضعيف، بمعنى الاعتقاد المتبصر غير المتزمت.

خلاصة القول: التفكير الإنساني بصفة عامة، إنما يسير عبر هاتين المرحلتين، ويبلغ السمة العلمية مع سيادة المرحلة النقدية، وهذه النظرية - نظرية المرحلتين الدوجماطيقية والنقدية - هي بحق من أجمل مواطن إبداع بوبر فهي نظرية منطقية إبستمولوجية ميثودولوجية سيكولوجية أنثربولوجية. (6) تلك هي الأفكار - من طيات فلسفة بوبر - في سياق الإجابة على السؤال التقليدي: ما هو منهج العلم؟ ولكنها لم تكن إجابة تقليدية، وأكثر من هذا، لم تكن القواعد التي ترسيها قواعد مختصة بالعلم فحسب، بغض النظر عن التفصيلات الفنية التكذيبية للخطوة «أ أ»، بل هي قواعد للنقاش العقلاني بصفة عامة؛ لأنها أساسا قواعد منهج المحاولة والخطأ الذي يحكم شتى المحاولات على وجه الأرض. (2) الداروينية المنهجية (1) في فصل «المعرفة موضوعية» بدا أن الصياغة «م1

ح ح

أ أ

م2» أي نظرية المحاولة والخطأ تجعل نظرية بوبر في المعرفة داروينية، ولما كان هناك تناظر بين نظرية بوبر المعرفية وبين نظريته المنهجية، كانت المنهجية هي الأخرى داروينية، بل الواقع أنها تجسيد صارخ للداروينية.

منهج تطور العلم يماثل إلى حد كبير ما أسماه دارون بالانتخاب الطبيعي، إنه الانتخاب الطبيعي بين الفروض، العلم يتكون دائما من تلك الفروض التي أوضحت ملاءمتها في حل المشاكل وصمودها أمام النقد، إنها الفروض التي ناضلت للبقاء حتى الوقت الراهن، كما أنها استبعدت تلك الفروض التي لم تلائم، أو التي حاول واضعوها أن يعدلوها ويكيفوها، فلم يكن تكييفا مطابقا للمطلوب.

وعلى العكس من ذلك نظريات المنهج الاستقرائية، التي تؤكد على التحقيق بدلا من التكذيب هي بالضبط اللاماركية، إنهم يقررون البناء بواسطة البيئة، بدلا من الانتخاب

23

الطبيعي للفروض والبقاء للأصلح منها.

إن منهجية بوبر داروينية، في مقابل الاستقرائية اللاماركية. (2) فمن المعروف أن هناك اتجاهين أساسيين في نظرية التطور:

الاتجاه الأول، الأسبق زمانيا والأقل منزلة علمية، ينتسب للعالم الفرنسي الكبير جان لامارك

Jean Lamarck (1744-1829م) الذي يذهب إلى أن التغير الذي يحدث ببطء في نوع ما من الكائنات الحية، إنما مرده إلى الظروف البيئية قد يتبعه تغير في سلوك هذا الكائن ، وأن كثيرا من الكائنات والحيوانات لم تستطع الملاءمة فماتت؛ لأن ظروفا بيئية تغيرت فلم تستطع التكيف معها،

24

معنى ذلك أن نظرية لامارك تعول في حدوث التغيرات العضوية على المؤثرات البيئية وتجعل دور الكائن الحي سلبيا فقط يتلقى هذه المؤثرات، وإن لم يتلقاها حكمت عليه البيئة بالفناء والهلاك.

أما الاتجاه الآخر الداروني، فهو يذهب إلى أن أنواع الكائنات الحية جميعا، إنما تنتهي إلى أصل واحد هو أولى الكائنات الحية البدائية، وأن كل كائن حي إنما هو حلقة تطورية، في سلسلة متصلة تنتهي بالإنسان، ولكن عبر السلسلة البيولوجية الطويلة، تبقى بعض الأنواع وتتطور أخرى وتنقرض أخرى.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٧٣