وبالطبع فإن ذهن العالم اليوم، ليس مقصورا على النزوعات والتوقعات الفطرية، علمه الذي جعله عالما - أي الحصيلة المعرفية - يولد في ذهنه نزوعات وتوقعات علمية، أي فروض حدسية هي نظريات جريئة.
ولكن العالم حينما يأتي الآن ليدرس موقف مشكلة، فهو بهذا يحاول مواصلة مسار طويل يستند على كل حصيلة البشر، البدء من الصفر استحالة، وإن أمكنت فإن حياة العالم لن تسفر عن تقدم أكثر مما أحرزه آدم، أو بعبارة علمية: «أكثر مما أحرزه إنسان نياندرثال.» وهذه واقعة يرفض كثيرون من ذوي المنعطفات الجذرية والمستقلة في حياتهم أن يقبلوها،
19
في العلم يجب أن نحرز تقدما، وهذا يعني أننا نقف على أكتاف الأجيال السابقة، العالم معقد لدرجة كبيرة، ونحن لا نعرف من أين ولا كيف نبدأ تحليله، إننا نعرف فقط من أين وكيف بدأت المحاولات السابقة، وإنها محاولات إقامة بناء العالم خلال إطار معين، وهي أطر لم تكن محكمة كثيرا، نحن نحاول أن نجعلها أكثر إحكاما بأن نطورها، فنستبدلها بمحاولات أقرب إلى الصدق،
20
والمحاولات مستمرة على صورة تلك الصياغة. (5) المعرفة في هذا المسار الطويل والبادي منذ إنسان نياندرثال حتى اليوم، تمر بمرحلتين: (أ)
مرحلة التفكير الدوجماطيقي (القبل-علمي). (ب)
مرحلة التفكير النقدي (العلمي).
مرحلة التفكير الدوجماطيقي:
هي المرحلة البدائية، بتحديد بوبر، المرحلة السابقة على حضارة الإغريق، ولما كانت محاولات المعرفة بدأت مع أول إنسان في التاريخ فإن المجتمعات البدائية لها موقف معرفي لها محاولات لتفسير العالم بالأساطير والديانات البدائية بالخرافات والخزعبلات، وكان التمسك بها قطعيا وصارما، وكانوا يعتبرون الشك فيها أو حتى محاولات التفكير فيها لتقييمها أو نقدها جريمة ما بعدها جريمة، التساؤل عن مدى صدقها كان محرما ينتهي بالموت، أو على الأقل بنفي المتسائل، إنها مرحلة لا تسمح بالخطأ، ولا بأي إمكان أو احتمال له، وكانت الفكرة الخاطئة - أي الحل الخاطئ للمشكلة - لا بد لها من الهلاك، كان أميز ما يميز مرحلة التفكير الدوجماطيقي، أن المخطئ فيها يموت أو يهلك بهلاك عقيدته الخاطئة، كان التقدم فيها مأساويا خطيرا إن أمكن أصلا.
21 ⋆
مرحلة التفكير النقدي:
بدأت حينما عرف الإنسان سر التقدم، النقد ثم تقبله؛ لذلك كانت المدرسة الأيونية أعظم مدرسة في التاريخ؛ لأنها علمت الإنسان أعظم درس والأهم على وجه الإطلاق؛ ألا هو النقد وتقبله، لأول مرة في التاريخ لم يتحرج أنكسمندر من نقد أستاذه طاليس وتبيان أخطائه، بل والإتيان بنظرية أفضل من نظريته، والأدهى: على مرأى ومسمع من أستاذه، بل وبترحيب وتشجيع منه، في هذه المرحلة حينما تكون المحاولة - أي الفكرة - خاطئة، فإن الهلاك لها وحدها، معتنقوها لا يهلكون معها بل هم الذين يهلكونها ليحاولوا المحاولات الأفضل، وليضعوا نظريات أقرب إلى الصدق.
ولما كان بوبر يرى أن القوانين العلمية ليست مستقرأة من الواقع، بل مفروضة عليه، فهو يقول: إن العلم التجريبي النقدي يصنع أساطير، تماما كالتي يصنعها الدين الدوجماطيقي، لكن الاختلاف بين أساطيرهما كالاختلاف بين الدوجماطيقية والنقدي، فالاتجاه النقدي للعلم من شأنه أن يغير الأساطير ويطورها فلا تبقى على حال واحد أبدا، إنها في تغير مستمر، والتغير في اتجاه وضع الشرح الأفضل، والاقتراب من الصدق أكثر وأكثر؛ لأن النقد يحذف الخطأ، ويقلل دوما من نطاقه.
22
غير أن هذه النظرية ليست ذات أدنى تناظر مع نظرية كونت في المراحل الثلاثة المتعاقبة لتاريخ الفكر؛ ذلك لأن التفكير الدوجماطيقي والتفكير النقدي، ليسا مرحلتين متعاقبتين زمانيا فحسب، بل منطقيا أيضا، بل، وكعادة بوبر في التعميم الشديد لأفكاره، عمم هذا التقسيم، حتى أدخلهما في صميم كل محاولة على وجه الأرض، وفي صميم الحياة بصفة عامة، فإذا كانت الأميبا وسائر الحيوانات الدنيا تعيش إلى الأبد في أسر المرحلة الدوجماطيقية، فإن الإنسان المعاصر - وكل إنسان - في نزوعه للبحث عما يريده وفرض القوانين على الطبيعة، في فرض نزوعاته وتوقعاته - خصوصا توقع الاطراد - هو أسير الاتجاه الدوجماطيقي، لا يخرج منه إلا حينما يحاول النقد واستبعاد الخطأ.