وعلى أية حال، لا بد وأن ينتهي العالم إلى موقف جديد، يحمل بين طياته مشاكل جديدة ليأخذ العالم منها م2 ... يبدأ بها الحلقة الجديدة. (2) بالطبع ليس من اليسير إدخال فكرة المحاولة والخطأ البسيطة في ذات الهوية مع المنهج التجريبي المعقد، إنما هي الأصل والأساس الذي تفرعت شتى التعقيدات داخل خطواته «ح ح، أ أ» إن منهج المحاولة والخطأ هو أسلوب التعلم، أسلوب تعرف الكائن الحي على بيئته، وقد تطور قليلا حتى بدأ في اتخاذ اسمه المنهج العلمي التجريبي الحديث،
13
الذي هو على وجه الدقة: منهج الحدوس الافتراضية الجريئة (المحاولة) والاختبارات العملية الحاذقة البارعة لتكذيبها، إنه الصورة المعاصرة لأسلوب التعلم الداخل في صميم الحياة على كوكب الأرض، أسلوب المحاولة والخطأ.
خلاصة المنهج هي أن يتعلم الباحث أن يفهم المشكلة، فيحاول حلها، ويفشل في هذا الحل فيردفه بحل آخر أقوى يفشل فيه هو الآخر،
14
العالم يسير من حلول سيئة إلى حلول أفضل، عارفا في كل حال أن لديه القدرة على طرح تخمينات جديدة، فطريق التقدم العلمي الوحيد هو طرح فروض أفضل. (3) هذه النظرية المنهجية بالطبع، تحدد منطق العلم وطبيعته الحدسية اللااستقرائية؛ من حيث إنه يظل على الدوام تقريرا غير يقيني مؤقتا، نسلم به الآن لأنه الأفضل في وقت لاحق، لا بد حتما من التوصل إلى ما هو أفضل منه، المسألة نسبية وهي متغيرة، حتى يمكن القول إنها مسألة رأي وليست حقيقة واقعة قاطعة مطلقة.
15
إن الصياغة «م1
ح ح
أ أ
م2» تجعل نمو المعرفة العلمية يسير من المشاكل القديمة إلى المشاكل الجديدة، بواسطة الافتراضات الحدسية وتكذيباتها، بواسطة التعديلات والتكييفات المستمرة للموقف الراهن، والحلول المطروحة لمشاكله، مما يجعل تطور العلم زجزاجيا متعرجا وليس خطا مستقيما،
16
إنه منهج التصحيح الذاتي، أي الذي يجعل العلم يصحح نفسه بنفسه تصحيحا مستمرا استمرارية البحث العلمي، طالما أن النظريات كلها مجرد حدوس افتراضية، تتفاوت في درجة اقترابها من الصدق، وأن العالم حتى لو توصل جدلا إلى نظرية صادقة، فلا هذا المنهج ولا أي منهج آخر يتمكن من إقامة صدق النظرية العلمية، وكيف نبحث عن إقامة الصدق ونحن عالمون أن النظرية قد تجتاز كافة اختبارات النقد والتكذيب، فقط لأن العلم لم يتوصل بعد إلى الاختبار الحاسم لها، أي القانون المفند، وأن الباحث لا يفضل النظرية فقط؛ لأنها الأقرب إلى الصدق، ولكن أيضا لأنها محتملة الكذب، إنها موضوع شيق لاختبارات أكثر، أي محاولات تكذيب، وتكذيب أي نظرية علمية يشكل مشكلة لكل نظرية جديدة؛ إذ إن عليها أن تنجح فيما نجحت فيه سابقتها، وفيما فشلت فيه أيضا، فهذا المنهج يعني الترابط المتسلسل بين النظريات، بحيث تكون كل نظرية أقرب إلى الصدق من سابقتها. (4) على ضوء ما سبق، يمكن أن تراعى التقاليد الميثودولوجية، فنستخلص من نظرية بوبر المنهجية الخطوات الآتية للمنهج العلمي على الترتيب الآتي: (1)
المشكلة (وهي عادة تفنيد لنظرية موجودة). (2)
الحل المقترح (أي نظرية جديدة). (3)
استنباط القضايا القابلية للاختبار من النظرية الجديدة. (4)
الاختبار؛ أي محاولة التفنيد بواسطة الملاحظة والتجريب، من ضمن وسائط أخرى. (5)
الأخذ بأفضل الحلول، أي النظرية الأفضل من بين مجموعة النظريات المقترحة المتنافسة.
17
والصورة التامة لهذا تكملها فكرة التوقعات الفطرية، التي يولد بها الكائن الحي، هذه التوقعات من شأنها - إذا ما أحبطت - أن تخلق مشاكل؛ فليكن أولى مشاكل البحث العلمي على الإطلاق - أي أول «م1» في بناء المعرفة - هي إحباط لتوقع فطري ولد به إنسان بدائي،
18
وكانت محاولة تعديل هذا التوقع هي أول نظرية في تاريخ العلم، وكانت محاولة انتهت ب «م2»، دخلت بدورها في حلقة جديدة ... وهكذا.