8 ⋆
وهي الأكثر نزاهة، أي لا تكون عينية
ad hoe ، فهي وضعت فقط لحل المشكلة وليس لتلافي نقد معين أو مواجهة اختيار معين، إذن المنهج النقدي يمكن اعتباره منهجا داخل المنهج؛ لأنه يعين على تقرير النظرية الأفضل من بين نظريات متنافسات، لتنتهي بتعيين «ح ح» أي محاولة حل. «أ أ»:
ثم يحاول العالم نقد «ح ح» أي فرضه الجديد، لا بد من إيجاد الخطأ في الحل المقترح، بل ومحاولة تفنيده، قد يصمد الفرض أمام اختبارات النقد، وقد ينهار سريعا إذا كان ضعيفا، لكن القاعدة أن العالم سيجد افتراضه الحدسي قابلا للتكذيب، وإلا لما كان علميا، وقد يجد أنه لا يحل المشكلة، بل يحل جزءا منها فقط، وسيجد حتى أفضل الحلول، أي التي تقاوم أعنف نقد لألمع العقول، من شأنها أن تثير صعوبات جديدة، فهو نظرية لم تفند حتى الآن، ولما كانت لا بد أن تفند يوما ما، فعلى الباحث محاولة هذا دائما، فيحاول إقامة مواقف اختبارية قاسية؛ لذلك فإن هذه الخطوة «أ أ»، قد تفضي إلى بناء قانون مفند، قانون قد تكون درجة عموميته منخفضة، فقد لا يستطيع شرح مواطن نجاح النظرية، لكن يستطيع الأهم: اقتراح اختبار حاسم وتجربة تفند النظرية، وتبعا لنتيجتها إما يأخذ العالم بهذا القانون المفند، وإما بالنظرية موضع الاختبار.
9
ولإحكام منهجية هذه الخطوة، يمكن حصر أساليب إجرائها، أي أساليب اختبار النظرية واستبعاد الخطأ في أربع طرق: (أ)
مقارنة النتائج الاستنباطية بعضها ببعض، مخافة أن تحوي شيئا من التناقض، لا بد من التثبت من اتساقها مع بعضها، أي اتساق النظرية مع نفسها. (ب)
فحص النظرية نفسها فحصا منطقيا، لنرى هل هي من نطاق العلم التجريبي، وهل هي إخبارية فقد تكون تحصيل حاصل، «تطبيق معيار التكذيب.» (ج)
مقارنة النظرية بالنظريات الأخرى في البناء المعرفي؛ لنرى هل تتسق معها، وهل تمثل تقدما علميا عليها. (د)
اختبار النظرية تجريبيا، أي عن طريق التطبيقات التجريبية للنتائج المستنبطة منها.
10
بالنظر إلى هذه الأساليب، نجد المنهج المتبع أساسا هو الاختبارات الاستنباطية، وليس البتة أدلة استقرائية، رغم أن الأهمية القصوى للملاحظة والتجريب تبرز في هذه الخطوة، فهي التي تفصل القول أولا وأخيرا في قبول أو رفض النظرية المتسقة منطقيا، إن اتفقت الملاحظات مع النتائج المستنبطة من النظرية؛ سلمنا بها مؤقتا، إن تناقضت استبعدناها، ولا أثر إطلاقا لأي استقراء من أي نوع كان لا سيكولوجيا ولا منطقيا، فليس هناك أي انتقال من الوقائع إلى النظريات ما لم يكن انتقالا تكذيبيا حقا، إن الاستدلال هنا من أدلة تجريبية، ولكنه استدلال استنباطي صرف.
11
وكلما كانت النتائج المستنبطة أبعد، كلما كانت أهم، ليس هناك عالم يبلغ من السذاجة حدا بحيث يضع نظرية يمكن اكتشاف الخطأ فيها هي ذاتها، في صميم منطوقها، أو في نتائجها القريبة.
ومهما كانت نتيجة الاختبار، فلا بد وأن العالم قد تعلم منها شيئا، فإذا فشل الاختبار واجتازته المحاولة، فقد عرف الباحث الكثير، عرف أن حله هو الأكثر ملاءمة، وهو أفضل ما لدينا حتى الآن،
12
وأنه هو الذي ينبغي الأخذ به، أما إذا نجح النقد وفند النظرية، فقد عرف الباحث الكثير أيضا، عرف لماذا أخطأ، فيلم بالمشكلة أكثر، وربما فشلت النظرية في حل المشكلة المطروحة للبحث، ولكنها قد تنجح في حل مشكلة بديلة، والتي قد تعطي شحنة تقدمية أكثر مما لو كانت المشكلة الأصلية قد حلت وحتى إن لم تحل، لا المشكلة الأصلية ولا أية مشكلة بديلة، فإن العالم يجب أن يهتم أيضا بالتكذيب في حد ذاته؛ لأن اكتشاف كذب نظرية يعني اكتشاف صدق نقيضها، وإن كان نفي النظرية الشارحة ليس بدوره نظرية شارحة.
في هذه الخطوة «أ أ» يتركز دور معيار التكذيب ومنطقه. «م2»: