إن نظرية المنهج العلمي هي ذاتها منطق الكشف العلمي، هي ذاتها النظرة الإبستمولوجية، إنها اختيار المنهج ووضع القرار الحاسم في الأسلوب الذي تتعامل به مع العبارات العلمية.
5 (3) وقبل الحديث عن هذه النظرية المنهجية، تثار مشكلة ما إذا كان هذا الحديث جائزا أصلا أم لا، إنها مشكلة كثيرين - على رأسهم الوضعيون المناطقة - لا يرون في علم مناهج البحث فرعا من فروع الفلسفة، بل فرعا من العلوم الطبيعية، إنها النظرة التطبيعية له
naturalistic ، أي جعله علم الدراسة التجريبية لسلوك العلماء في ممارسة عملهم، أو للإجراءات الفعلية للعلم، بوبر لا ينكر قيمة هذه الدراسة لعلم النفس مثلا، لكن علم مناهج البحث في رأيه شيء مختلف تماما، فهو أولا ليس فرعا من الفلسفة فحسب، بل هو حصنها الحصين، هو وليس الميتافيزيقا؛ لأن الميتافيزيقا يمكن أن نؤول مشاكلها بحيث تصبح قواعد ميثودولوجية؛ مثلا، مشكلة السببية - وهي واحدة من أعمق المشاكل الميتافيزيقية - حلت ببساطة في سياق معالجة مشكلة منهجية بحتة؛ هي مشكلة الاستقراء. مثال آخر: مشكلة الكليات، هي مشكلة قاعدة منهجية بخصوص طبيعة القانون العلمي؛ أو مثلا مشكلة الموضوعية، يمكن أن تؤول هي الأخرى إلى قاعدة منهجية؛ هي القاعدة الآتية: العبارات التي تطرح في العلم هي - فقط ولا غير - العبارات القابلة للاختبار بين الذوات،
6
بالمثل يمكن تأويل معظم المشاكل الفلسفية لتصبح ميثودولوجية، علم مناهج البحث هو أخص خصائص الفلسفة.
وأكثر من هذا، فبعض الذين يريدون جعله علما طبيعيا، لا يرومون هذا من أجل تقدم العلوم السلوكية فحسب، بل ولأنهم متأثرون بنظرتهم الاستقرائية التي سيطرت عليهم، حتى يريدون من علم مناهج البحث؛ العلم الذي يستقرئ سلوك العلماء، هم مخطئون، الحاجة ملحة للدراسة الفلسفية المنهجية، لنعرف ما هو الأسلوب الذي يسير به البحث العلمي. (1) مسار البحث العلمي (1) عرض المنهج لن يكلفنا الآن كبير عناء، فطالما أن النظرية المنهجية مناظرة للمعرفية، فإن صياغة المعرفة الموضوعية «م أ - ح ح - أ أ - م2» التي تصف شتى ضروب الأنشطة العقلية والحيوية، تصف العلم أيضا، بوصفه إحدى هاتيك الضروب،
7
عرض منهج العلم لن يعدو أن يكون تطبيقا لها. «م1»:
يبدأ العالم بحوثه من مشكلة، إما مشكلة عملية واقعية، وإما مشكلة نظرية، أي فرض وقع في صعوبات، العالم يجد في العلم دائما مواقف معينة لمشاكل، فيختار منها المشكلة التي يأمل في استطاعة حلها، البدء إذن ليس بالملاحظة بل بالمشكلة، وهذه المشكلة بدورها ليست نتيجة للملاحظة أو حتى التجريب، بل هي من البناء المعرفي السابق. «ح ح»:
الفكرة عن مشكلة لا بد وأن تكون غامضة، التعرف الكامل عليها لن يكون إلا بطرح حل ونقده، فهم المشكلة يكون بفهم صعوباتها، بأن يعرف العالم لماذا لا يسهل حلها، لماذا لا تصلح الحلول الواضحة، بهذا يفهم المشكلة جيدا، يعرف تفرعاتها ومشاكلها الجانبية وعلاقاتها بالمشاكل الأخرى، إنه يحيط بموقف المشكلة فيتمكن من طرح الحل الملائم، الحل دائما اختباري، وهو فرضي، محاولة الحل قد تفضي إلى طرح عدة حلول، عدة نظريات تتنافس لحل نفس المشكلة، أو تتنافس بأن تمنح حلولا لبعض المشاكل المشتركة، على الرغم من أن كلا منها قد تمنح بالإضافة إلى هذا حلولا لمشاكل لا تشترك فيها مع النظريات الأخريات، كيف يمكن الاستقرار في هذه الخطوة على «ح ح» محددة، أي كيف يمكن الاختيار بين مجموعة النظريات المتنافسات؟ أولا: على الباحث استبعاد ما يمكن تفنيده، أي اكتشاف الاختبار الفاصل، التجارب الحاسمة التي تستطيع تفنيد واستبعاد بعض منها، ثم يختار الباحث النظرية الأفضل من بين المجموعة المتبقية، والنظرية الأفضل هي الأكثر قابلية للتكذيب،