ثم إن كانط كان واثقا في المعرفة الإنسانية أكثر مما ينبغي، كان يتفلسف واضعا نصب عينيه نظرية نيوتن بوصفها أنموذجا للعلم، وكان كسائر معاصريه يعتبرها مطلقة الصدق، واعتبر قوانينها - أي قوانين العلم - بعدية تركيبية، ولكنها في الآن نفسه ضرورية الصدق، فالعقل يحاول أن يفرض القوانين التي يخترعها على الطبيعة، وهو لا بد حتما أن ينجح في هذه المحاولة.
على هذا تبدو محاولة بوبر صورة متطورة متواضعة من محاولة كانط المغرورة، ولا غرو فالتواضع المعرفي إحدى دعاوى بوبر الهامة، فلا ندعي اليقين أبدا، ولا نترفع على أي نمط معرفي.
محاولة كانط - بلا شك - رؤية عميقة ورصينة، من فيلسوف عميق ورصين، أوشكت أن تروح في طي النسيان بسبب خطأ كانط الكبير في اعتبار نظرية نيوتن مطلقة الصدق، لكن - كما وضح آنفا - لم يكن أمام كانط العظيم الذي عاش في مجد نظرية نيوتن، أي مناص من الوقوع في هذا الخطأ. (3) وبعد كل هذا يستحيل الآن أن نأخذ في الاعتبار شيئا اسمه الاستقراء، إنه خرافة فكيف له أن يميز العلم، لكن العلم بدا الآن غريبا عن الدار، فما كنا نظنه، بل ونسلم بأنه منهج العلم في الفصل الأول اتضح كخرافة جوفاء حين انتهينا من الفصل الرابع، فلا بد وأن نسأل بوبر، وما هو المنهج العلمي إذن؟
الفصل الخامس
| منهج العلم
منهج العلم هو المنهج النقدي، منهج المحاولة والخطأ، منهج اقتراح الفروض الجريئة، وتعريضها لأعنف نقد ممكن كيما نتبين مواطن الخطأ فيها.
1
مقدمة (1) إذا كان الاستقراء - وهو وثن الميثودولوجيين الذي شاع له التقديس قرونا - محض خرافة، فما هو المنهج العلمي إذن؟ ما هي قواعده؟ ولماذا نحتاج إليها؟ هل يمكن وضع نظرية في مثل هذه القواعد؟ أي علم لمناهج البحث؟
لما كانت قواعد المنهج مسألة اصطلحنا عليها لتحكم مباراة العلوم الطبيعية، كقواعد لعبة الشطرنج مثلا، وتختلف عن قواعد منطق البحث، التي لا بد وأن نتفق عليها بغير أن ننتظر اصطلاحا أو اتفاقا؛
2
لأنها قواعد تحليلية محض تحصيلات حاصل، وكانت الإجابة على هذه الأسئلة تعتمد إلى حد كبير على الموقف المتخذ من العلم ذاته، والموقف الذي يتخذه بوبر من العلم واضح، وهو أن الخاصة المميزة للعلم التجريبي هي إمكانية تكذيب عباراته، أي ستكون نظرية بوبر المنهجية قائمة على معيار التكذيب، بل هي قائمة أصلا بهدف إثبات إمكانية تطبيق هذا المعيار بل وضرورة تطبيقه، فعرض هذه النظرية - كما سنرى - ما هو إلا عرض لقابلية العلم المستمرة للتكذيب؛ أي للنقد ولاكتشاف الأخطاء، وبالتالي لقابلية العلم المستمرة للتقدم بحيث تكون قواعده قواعد مباراة هي من حيث المبدأ بلا نهاية، أما العالم الذي يقرر يوما أن العبارات العلمية أصبحت لا تستدعي أية اختبارات أخرى، ويمكن أن نعتبرها متحققة بصورة نهائية، فإنه ينسحب من المباراة، إننا في حاجة دوما إلى الانتخاب الطبيعي بين الفروض، أي حذف الأضعف منها عن طريق النقد، والأسلوب الفني المختص بنقد العلم الطبيعي هو التكذيب، بهذا الوجه الفني المنطقي الدقيق يكون التكذيب هو منهج العلم، ولكن منهج العلم في صورته العامة ومساره العام هو مسار أية محاولة عقلانية، فلا يخص العلم ولا يميزه. (2) من هنا كانت نظرية بوبر المنهجية وثيقة الاتصال بنظريته في المعرفة؛ لأنه ينظر إلى المعرفة الإنسانية على أنها مكونة من الفروض والنظريات والافتراضات الحدسية، على أنها نتاج الأنشطة العقلية،
3
سائر الفلاسفة منذ هيوم مرورا بمل حتى ماخ، ينظرون إليها بوصفها حقائق ثابتة مؤسسة، بوبر على عكسهم، لا يعنى بتبرير المعرفة أو بصدقها أو بصحتها، أو بأمثال هذه المشاكل الإبستمولوجية، إنه يعنى فقط بمشكلة نمو المعرفة وكيفية تقدمها،
4
وهذه النظرية من بوبر تجعل المعرفة العلمية قابلة للاختبار البين-ذاتي أي الموضوعي للنقد والتكذيب، ديناميكية متحركة لا ثبات فيها؛ ومن ثم قابلة للتقدم المستمر إن جاز التعبير، المعرفة بناء صميم طبيعته الصيرورة، ومن هنا لا تكون نظرية المعرفة نظرية في مكوناتها، بل نظرية في أسلوب هذه الصيرورة، أي في كيفية التقدم المعرفي، أي في منهج العلم؛ على هذا كانت نظرية بوبر المعرفية وثيقة الاتصال - أو هي الوجه الآخر - لنظريته المنهجية، فجاء عرضهما معا في سياق واحد، في باب واحد.