تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خاتمة (1) الملاحظة الهامة التي نبديها في الخاتمة، هي أن بوبر التجريبي بإنكاره للدور الاستقرائي للملاحظة يحفظ كيان العقل والقوى الخلاقة، ويرفض أن يحيل الإنسان إلى آلة صماء، تقصر عملها على تسجيل انطباعات التجريب، وتعمم نتائجها لتصل إلى القانون، وكأن الإنسان حس فحسب وليس حسا وعقلا وقدرات على الابتكار العلمي والخلق الفني ... وسائر مكونات العالم 3، هذا درس عميق للتجريبيين، وقد نصت كتابات بوبر على أنه يناصبهم العداء، أولئك الذين ينصحون بالاحتفاظ بالمدركات الحسية خالصة صافية بقدر الإمكان، بلا إضافة أو نقصان، فتكون بهذا المعرفة اليقينية، حتى جاء كانط ليقول لهم: المعطيات الحسية لا تشكل إلا المادة الخام.

59 (2) على هذا فبوبر بإنكاره للدور الاستقرائي للملاحظة لم يأت بجديد تماما، فقد سبقه إلى هذا كثيرون، وهو يواصل مسار فكرة فلسفية أخذوا بها، مثل أكد ويويل في كتابه «فلسفة العلوم الاستقرائية» أن العلم لا يمكن أن يكون بهذه الصورة، بل لا بد من اختراع النظرية اختراعا، أي لا بد من عنصر الخلق،

60

ودارون الذي قال: من الغريب حقا أن أحدا لم ير أن أية ملاحظة يجب أن تكون من أجل أو ضد وجهة نظر معينة،

61

وآينشتين الذي أرسل إلى بوبر خطابا يؤكد فيه استحالة صياغة نظرية ما من الملاحظات، النظرية يمكن فقط أن تخترع،

62

ورفض لايبج

Leibig

الاستقراء صراحة في كتابه «الاستقراء والاستنباط» من قبل عام 1848م.

63

لكن على رأس هؤلاء كانط الذي أدرك بوضوح استحالة أن تكون النظرية العلمية نتيجة استقرائية، بل واعتبر هذا خلفا محالا وتناقضا في القول، وقال: إننا نحن أنفسنا نكيف الطبيعة مع متطلباتنا ونطلب منها الإجابة على أسئلتنا، وبدا أمامه أن العلم قد فند - ربما بفضل من هيوم - الخرافة البيكونية التي لم تحدث إطلاقا في تاريخ العلم، من هنا وضع نظرية في المعرفة ترجعها إلى عاملين: الذهن

understanding

من ناحية، والمعطيات الحسية من ناحية أخرى، وهما شرطان منفصلان ومتمايزان لكل معرفة، وكلاهما ضروريان، وقد عبر عن هذا بمقولته الشهيرة المفاهيم بدون حدوس حسية جوفاء، كما أن الحدوس الحسية بدون مفاهيم عمياء؛ لذلك أوضح لبوبر الطريق حينما قال: إن العالم كما نعرفه هو تفسيرنا للوقائع الملاحظة على ضوء النظريات التي اخترعناها نحن أنفسنا،

64

لقد رأى كانط في النظرية العلمية شيئا أعظم بكثير من مجرد نتيجة لتراكم الملاحظة، إنها نتيجة لأسلوبنا نحن في التفكير ولمحاولتنا لتنظيم المعطيات الحسية، وفهمها على ضوء المقولات المفطورة في طبيعة العقل، وقد عبر كانط عن هذا بقوله الثوري: «عقولنا لا تأخذ القوانين من الطبيعة، ولكن تفرضها على الطبيعة.»

65

فأحدث ثورته الكوبرنيقوسية، حينما قلب مركز المعرفة وجعله في عقل الإنسان، بدلا من أن يكون مفارقا في عالم المثل أو في الجوهر إن كانت المعرفة مثالية، أو في الطبيعة، إن كانت المعرفة تجريبية، ثم علمنا الاستقراء كيف نستجدي الطبيعة لتكشف لنا عنها، حتى قلب كانط مركز المعرفة، وجعله العقل الذي يتوصل إلى القوانين بواسطة مقولاته الخاصة المجبولة في طبيعته.

66 ⋆

بوبر إذن لم يأت ببدعة، والتوقعات الفطرية ثم الفروض العلمية، تلعب في فلسفته دورا شبيها بدور المقولات في فلسفة كانط؛ مما حدا بالمؤرخين إلى الحكم بأن بوبر متأثر بكانط، وهذا ما يؤكده بوبر نفسه في كل مناسبة، لكن مقولات كانط فكرة مثالية ميتافيزيقية، بينما توقعات بوبر فكرة علمية سيكولوجية، خول لها دورا منطقيا ميثودولوجيا، ويظل على تمام الحفاظ على بعده عن أية نزعة سيكولوجية، حينما يوضح أن التعامل معها بعد ذلك منطقي صرف، وهو الذي يميزها، وأن أصل النظرية لا صلة له البتة بمنزلتها العلمية.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٦٧