المهم أن الإغريق كانوا معجزة جاءت على غير مثال، والعامل الذي فجر ازدهار الحضارة اليونانية هو اكتشافهم للتعويذة السحرية لتقدم المعرفة أو للتقدم بصفة عامة، إنها: النقد وتقبله.
لقد أفضت بحوثهم في الطبيعة إلى نتائج أكثر من رائعة، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار ظروفهم المعرفية العسيرة، وكانت كثير من نظرياتهم ملهمة لنظريات العلم الحديث، وبعض من هذه النظريات اكتشفنا اليوم أنها صائبة، غير أن أفضل هذه النظريات وأصوبها لم يكن له علاقة بأسس الملاحظة.
فلقد ذهب طاليس
Thalés (625-545ق.م) إلى أن الأرض معلقة على الماء كالسفينة، على هذا تكون اهتزازات الماء هي سبب الحركات الأرضية، وكان افتراضه الحدسي الكبير بأن الأرض تطفو قريبا من الصواب، وهو الملهم للنظرية العلمية الحديثة نظرية الجرف القاري
18
ولم يكن هذا مؤسسا على الملاحظة.
وإذا استمر الادعاء بأن طاليس لاحظ المياه وحركة السفينة عليها، والاهتزاز قبل أن يضع نظريته، فماذا يمكننا أن نقول بشأن تلميذه الأعظم أنكسمندر
Anixmander (611-546ق.م) الذي قال: إن الأرض ليست مقامة على الماء ولا على أي شيء، وإن ثباتها يعود إلى بعدها المتساوي عن جميع الأشياء الأخرى،
19
وبالقطع لم يصل أنكسمندر إلى نظريته الرائعة عن طريق الملاحظة، بل عن طريق نقد نظرية طاليس أستاذه، وقد أخرج بوبر من نظرية أنكسمندر النقد الآتي لأستاذه طاليس:
افتراض الطفو فوق الماء كسبب لثبات الأرض يقود إلى ارتداد لا نهاية له؛ لأننا يجب أن نضع افتراضا مماثلا يشرح سبب ثبات المحيط المائي؛ أي البحث عن دعامة للمحيط، ودعامة للدعامة وهكذا ... لذلك محاولة طاليس غير مقنعة؛ لأنها تحل المشكلة بخلق مشكلة مماثلة، وثانيا لأنه لو فشلت أية دعامة من هذه الدعامات المتتالية، فسوف ينهار الصرح بأكمله.
أي إن نسقا من الدعامات لن يفسر ثبات الأرض؛ لذلك التجأ أنكسمندر إلى تماثل داخلي بنائي للعالم، حيث لا نجد اتجاها معينا لحدوث الانهيار، فهو يطبق المبدأ الآتي؛ حيث لا يوجد اختلاف لا يوجد تغير، وطالما أن أبعاد الأرض متساوية فلن يحدث تغير في وضعها والنتيجة الثبات، لم تكن نظرية أنكسمندر متعارضة مع الملاحظة فحسب، بل وإنها يصعب تصورها، وأنكسمندر نفسه لم يتصورها بصورة كاملة، فنظريته في تساوي الأبعاد كان من شأنها أن تقوده إلى أن الأرض لها شكل الكرة، لكنه اعتقد أن لها شكل البرميل ذي المسطحين الأعلى والأسفل المستويين، وإننا نعيش على أحد هذين السطحين.
والسؤال الآن: ما الذي منع أنكسمندر من الوصول إلى كروية الأرض، بدلا من شكل البرميل؟ يعتقد بوبر أن السبب هو الملاحظة الحسية الاستقرائية؛ فهي علمته أن سطح الأرض مستو، وهذا يؤكد صميم دعوى بوبر: الحجج النقدية والمناقشة العقلانية الاختبارية لنظرية طاليس هي التي كانت على وشك أن تقوده إلى الافتراض الحدسي السليم عن شكل الأرض، لولا أن الملاحظة الحسية قد عاقته،
20
بوصفها نقطة بدء لا بد أن تكون.
وقد يبرز اعتراض بأن هذا المثال ليس حجة ضد الاستقراء، ولكنه خروج عن الموضوع، «فنظريات المدرسة الأيونية تأملية وليست استقرائية؛ ولذلك نسميها فلسفة يونانية قديمة وليس علما يونانيا قديما.»
كلا، هذا خطأ ودوران منطقي ورجوع إلى الاستقراء، فليس أصل النظرية استقراء كان أم استنباطا هو الذي يعني، الذي يعني هو النظرية ذاتها وقيمتها العلمية، مدى اقترابها من الصدق وقوتها الشارحة، قدرتها على حل مشاكل وإثارة مشاكل أكثر ... هذه النظرية مثل كثير من نظريات الفلسفة اليونانية القبل سقراطية، بها من الخير الشيء الكثير، فقد فندت - أي نظرية أنكسمندر - فكرة الاتجاهات المطلقة إلى الأمام وإلى الخلف ليست تعبيرات عامة بل نسبية، لم تدرك قيمة هذا الكشف العظيم إلا مع آينشتين، وقد أوضحت الطريق أمام نظريات أرسطارخوس وكوبرنيقوس وكبلر وجاليلية، وفكرته في أن الأرض تقف حرة في الفضاء، وثباتها يرجع إلى تساوي أبعادها، كانت عاملا ألهم نيوتن بنظرية قوى الجاذبية غير المرئية، حقا أن نظرية أنكسمندر خاطئة، لكنها مثلها مثل عديد من النظريات ظنت أنها مؤسسة على عدد لا يحصى من الملاحظات الاستقرائية، ثم إن بوبر يعارض باتجاه بعض مؤرخي العلم الذي يحكمون على كل نظرية ثبت خطؤها بأنها أصبحت لا علمية،